فوائد الأصول - الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني - ج ٤ - الصفحة ٣٨٩
جميع التقادير: المجعول الشرعي تأسيسا أو إمضاء إنما هو معنى كلي مترتب على موضوعه، نحو ترتب المعلول على علته والعرض على معروضه، ثم لا يخفى عليك: أن مرجع الموضوع والسبب والشرط في باب التكاليف وفي باب الوضعيات إلى معنى واحد، وهو الامر الذي رتب الحكم الشرعي عليه، فقد يعبر عنه بالموضوع وأخرى يعبر عنه بالسبب، كما أنه قد يعبر عنه بالشرط، فيصح أن يقال: إن العقد الكذائي موضوع للملكية أو سبب أو شرط لها، وكذا يصح أن يقال: إن الدلوك مثلا موضوع لوجوب الصلاة أو شرط لها أو سبب، فان مرجع الجميع إلى أن الشارع رتب الملكية ووجوب الصلاة على العقد ودلوك الشمس.
نعم: جرى الاصطلاح على التعبير عن الامر الذي رتب الحكم الوضعي عليه بالسبب فيقال: إن العقد سبب للملكية والزوجية، والتعبير عن الامر الذي رتب الحكم التكليفي عليه بالموضوع أو الشرط فيقال: إن العاقل البالغ المستطيع موضوع لوجوب الحج أو إن الدلوك شرط لوجوب الصلاة، وهذا مجرد اصطلاح، وإلا فبحسب النتيجة كل من الموضوع والشرط والسبب يرجع إلى الآخر، وذلك واضح.
- الامر السادس - قد تقدم منا أيضا في مبحث الأوامر: أن شرائط الجعل غير شرائط المجعول (1) فان شرائط المجعول - على ما عرفت - عبارة عن موضوعات التكاليف

(1) أقول: ما أفيد في الفرق إنما يتم في الأحكام الوضعية التي قوام حقيقتها بالجعل وأن الجعل واسطة في ثبوتها، وأما الأحكام التكليفية التي روحها إرادة المولى المبرزة بانشاء أو إخبار فهي آبية عن مرحلة الجعلية الاعتبارية ، لما تقدم سابقا بأن لب الإرادة وإبرازها ليس من الجعليات، بل أحدهما من مقولة الكيف والآخر من مقولة الفعل، وهما خارجان عن عالم الاعتبارات الجعلية، ولم يبق في البين إلا مقام البعث والتحريك والالزام، وهذه اعتبارات منتزعة عن مقام إبراز الإرادة الخارجية غير مربوط بعالم الجعل.
نعم: لا بأس بدعوى الجعل بمعنى التكوين والايجاد، ولو بلحاظ إيجاد المنشأ القهري لا القصدي للاعتبارات المزبورة، وهذا المقدار غير مرتبط بعالم الجعلية التي عبارة عن ايقاع نفس المعنى بقصد ثبوتها بانشائها اللفظي أو الفعلي، كما هو الشأن في الأحكام الوضعية، وحينئذ فكل ما هو يدعوه على إرادته مطلقا أو منوطا هو الداعي على إبراز إرادته، من دون فرق فيها بين دواعي الجعل والمجعول، كما لا يخفى، فتأمل في أطراف ما ذكرناه ترى أيضا بطلان إناطة لب الإرادة وإبرازها على وجود موضوع خطابه خارجا، بل في ظرف لحاظ الموضوع خارجيا يكون إرادته فعليا، ففرض وجود الموضوع في التكليفيات لا يوجب فرض وجود الإرادة ولا فرض إبرازه.
نعم: مرتبة محركيته وفاعليته خارجا ينوط بوجود الموضوع خارجا، وهذه المرتبة مرتبة تأثير الخطاب بوجوده لا مرتبة نفس الخطاب بمضمونه، ولذا نقول: بأنه ينوط بالعلم بالخطاب أيضا مع حفظ مضمون الخطاب في ظرف الجهل جزما، وحينئذ كيف يمكن دعوى فرضية مضمون الخطاب الحاكي عن لب الإرادة بفرضية موضوعه، كما هو الشأن في القضايا الحقيقية، فتدبر.
ثم إن مرتبة المحركية لما كان ناشئا عن مقام انطباق المراد مع المأتي به خارجا، فهذا الانطباق تابع كيفية دخل فرض وجوده في إرادته تبعا لدخله في الاحتياج إلى مرامه، فتارة: يكون الشئ بوجوده السابق أو المقارن دخيلا في الاحتياج إليه، وأخرى: بوجوده لاحقا وفي موطنه كان دخيلا في الاحتياج إلى الشئ فعلا، نظير دخل مجئ الضيف في يوم الجمعة في الاحتياج إلى شراء اللحم في يوم الخميس، وفي هذه الصورة ربما يختلف مقام محركية الخطاب من حيث إناطته بوجود الشئ فعلا أم متأخرا.
وتوهم: أن كل ما هو دخيل في الحكم فلابد من الاخذ في موضوعه وحينئذ يستحيل مجئ الحكم بلا موضوع وكلما يرى من هذا القبيل لابد من إرجاعه إلى التعقب، مدفوع بأنه على فرض التسليم لهذه الكلية نقول: بعدما كان الموضوع للإرادة الفعلية هو فرض وجوده ولو في موطنه فهذا المعنى لا قصور فيه بالنسبة إلى الوجودات المتأخرة، وإنما الكلام في مقام محركيته، ففي هذا المقام بعدما كانت المحركية من لوازم تطبيقه من البديهي أن تطبيق كل موضوع يكفيه أخذه ولو لاحقا، كما هو ظاهر، فتدبر في المقام، فإنه من مزال الاقدام من حيث رميهم الشرائط المتأخرة إلى بداهة البطلان، مع أنهم لا يأتون فيه إلا رعدا وبرقا!!.
(٣٨٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 394 ... » »»
الفهرست