فصل:
واختلفوا في هذه الكفارات الثلاث فقيل: إنها مرتبة. عن ابن عباس والشعبي والسدي قالوا: وإنما دخلت " أو " لأنه لا يخرج حكمه عن إحدى الثلاث. وقيل: إنها على التخيير، وهو مذهب الفقهاء واختاره الشيخ أبو جعفر على ما تقدم، وكلا القولين رواه أصحابنا.
قال المرتضى: الأظهر أنه ليس على التخيير لكن على الترتيب ودخلت " أو " لأنه لا يخرج حكمه عن أحد الثلاثة على أنه إن لم يجد الجزاء فالإطعام، فإن لم يجد الإطعام فالصيام. وليس في الآية دليل على العمل بالقياس لأن الرجوع إلى ذوي عدل في تقويم الجزاء مثل الرجوع إلى المقومين في قيم المتلفات ولا تعلق لذلك بالقياس.
وقوله: ليذوق وبال أمره، أي عقوبة ما فعله في الآخرة إن لم يتب، وقيل: معناه ليذوق وخامة عاقبة أمره وثقله بما يلزمه من الجزاء. فإن قيل: كيف يسمى الجزاء وبالا وإنما هي عبادة؟ وإذا كان عبادة فهي نعمة ومصلحة. فالجواب: إن الله شدد عليه بالتكليف بعد أن عصاه فيثقل ذلك عليه كما حرم الشحم على بني إسرائيل لما اعتدوا في السبت فثقل ذلك عليهم وإن كان مصلحة لهم.
قوله: ومن عاد فينتقم الله منه، أي من عاد إلى قتل الصيد محرما فالله تعالى يكافئه عقوبة بما صنع. واختلف في لزوم الجزاء بالمعاودة: فقيل: إنه لا جزاء عليه، عن ابن عباس والحسن وهو الظاهر في رواياتنا. وقيل: إنه يلزمه الجزاء، عن جماعة وبه قال بعض أصحابنا. والجمع بين الروايتين أن في معاودة قتل الصيد عمدا لا جزاء عليه وفي النسيان يكرر.
فإن قيل: ظاهر القرآن يخالف مذهبكم لأنه تعالى قال: فجزاء مثل ما قتل من النعم أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما، ولفظة " أو " يقتضي التخيير، ومذهبكم أن القاتل للصيد عليه الهدي، فإن لم يقدر عليه فالإطعام، فإن عجز عنهما فالصيام.