مستدركات أعيان الشيعة - حسن الأمين - ج ١ - الصفحة ٢٩٨
بعد المتنبي وابن هاني رأينا فيما تقدم انهيار الدولة الحمدانية بعد سيف الدولة فتمهد الطريق امام البيزنطيين ليتقدموا في شمال بلاد الشام ويحتلوا فيه المدن ويبسطوا سيادتهم على اجزاء منه كما سيطروا على كيليكيا، بل لقد غزوا شمال العراق وعبروا نهر دجلة. ولم يكن باستطاعة الفاطميين الأقوياء ان يعملوا شيئا على الجبهة المشرقية، لان بينهم وبينها أمادا واسعة لا سلطة لهم عليها. ثم إذا بهم على أبواب المشرق ثم في صميم مصر. ثم جاءت الخطوات التالية فإذا بهم يوغلون في المشرق ثم يصبحون جزءا منه، وإذا بهم وجها لوجه مع البيزنطيين في المشرق كما هم معهم في المغرب، فجعلوا همهم الأول استرجاع ما استولى عليه البيزنطيون من المدن الشامية. وحاولوا أول الأمر اجلاء البيزنطيين عن أنطاكية التي كان قد استولى عليها نقفور فوكاس سنة 358 ه‍ (2969 م)، ولكن القوى البيزنطية كانت أكثر كثافة مما قدرت مخابرات الفاطميين وكانت تفوق قواتهم عددا واعدادا، فان البيزنطيين عرفوا خطورة سقوط أنطاكية فضلا عن انها مدينة البطاركة والقديسين، لذلك اعتبرت منافسة بيزنطية من الناحية الدينية لهذا حشدوا للدفاع عنها قوى لم تكن في تقدير الفاطميين، ففشل الجيش الفاطمي في استردادها، واغتنم الإمبراطور البيزنطي حنازيمسكس هذا الفشل وتقدم بجيوشه سنة 975 من أنطاكية إلى حمص ومنها إلى بعلبك، وخافت دمشق مغبة مقاومته فخضعت ودفعت له الجزية، كما سلمت له طبريا وقيسارية، وكان مصمما على الوصول إلى القدس، وهكذا يكون هذا الإمبراطور البيزنطي ثاني من يفكر من أباطرة بيزنطية، في استرجاع القدس من المسلمين، بعد المفكر الأول نقفور فوكاس الثاني، وهكذا تكون بيزنطية قد سبقت الصليبيين في التخطيط للنفاذ إلى القدس.
ويبدو جليا من استعراض الاحداث ان الفاطميين أدركوا نية حنازيمسكس وصمدوا له فتراجع عن محاولة الوصول إلى القدس وحول هدفه فاتجه إلى الساحل اللبناني مغتنما فرصة حشد الجيوش الفاطمية في طريق القدس، فاستطاع الاستيلاء على صيدا وبيروت، ثم اتجه إلى طرابلس. وهكذا نرانا ونحن نقص هذا القصص، قد صرنا في صميم التاريخ اللبناني، وان ما نقصه هو جزء من تاريخ هذا البلد الجريح.
لم يغفل الفاطميون عن نيات الإمبراطور البيزنطي فاسرعوا لصده عن طرابلس والوقوف في طريق زحفه إليها، وعضدوا جيشهم البري المدافع عنها بأسطولهم الحربي، واستطاعوا الحاق الهزيمة بالبيزنطيين ورد حنازيمسكس عن طرابلس وملاحقته حتى أخلى بيروت وصيدا وكل ما استولى عليه من مدن الساحل اللبناني. وظلت الضربات الفاطمية تلاحقه حتى ردته إلى أنطاكية.
ولما حاق به الفشل عاد آيبا إلى القسطنطينية مقهورا حيث توفي في أوائل سنة 976.
هنا نفتقد المتنبي ونفتقد ابن هاني، هنا نفتقد الشاعر العربي الذي يتغنى بالظفر العربي، ونتلفت فلا نجد في الساحة من يقول في حنازيمسكس المهزوم المقهور اللائذ من بطولات الفاطميين بعاصمته ما قاله المتنبي في برداس فوكاس حين فر من المعركة جريحا في وجهه وترك ابنه أسيرا فيها ثم لاذ بالدير:
نجوت بإحدى مهجتيك جريحة * وخلفت احدى مهجتيك تسيل أتسلم للخطية ابنك هاربا * ويسكن في الدنيا إليك خليل بوجهك ما أنساكه من مرشة * نصيرك منها رنة وعويل أو ما قاله ابن هاني في نقفور فوكاس بعد معركة المجاز البرية البحرية:
يوم عريض في الفخار طويل * لا تنقضي غرر له وحجول مسحت ثغور الشام أدمعها به * ولقد تبل الترب وهو همول قل للدمستق مورد الجمع الذي * ما أصدرته له قنا ونصول سل رهط (منويل) وأنت غررته * في اي معركة ثوى منويل (1) منع الجنود من القفول رواجعا * تبا له بالمنديات قفول لم يتركوا فيها بجعجاع الردى الا النجيع على النجيع يسيل نحرت بها العرب الأعاجم انها * رمح امق ولهذم مصقول قلت انا افتقدنا الشاعر العربي الذي يعيش بشعره المعارك العربية الظافرة، فلم نره بعد المتنبي وابن هاني، فهل كانت الساحة العربية خالية من عباقرة الشعر؟
الواقع انها لم تكن خالية، فقد كان فيها أيام تلك الاحداث شاعر العرب الفريد (أبو العلاء المعري)، ولكن هل كان باستطاعة أبي العلاء ان يسد فراغ الشاعرين الحماسيين؟
انه رهين المحبسين، سجين في سجنين رهيبين، وماذا عسى الشاعر الحبيس ان يفعل؟
انه لم يكن مستطيعا ان يمتطي الجواد ويجرد السيف ويمشي إلى جنب القائد فيشارك في المعركة ويراها عن كثب فينفعل برهجها، كما كان يحدث للمتنبي مع سيف الدولة... ولا كان مستطيعا ان يواكبها في احداثها متتبعا لها ساعة فساعة فيضطرم بانبائها، كما كان يحدث لابن هاني مع المعز.
انه كان في محبسيه... ولكن المعري الذي عاش هموم شعبه، فأنطقته هذه الهموم بالشعر الثائر المثير، هل كان يمكن ان يكون بعيدا عما يجري على حدود الوطن، أو في قلب الوطن من صراع بين حرية الوطن واستعباده...
بين الأجنبي المنقض على الوطن، وبين المواطن المنقض على هذا المنقض؟
لم يكن هذا من طبعه، لهذا كان وهو في محبسيه يعيش مع المناضلين في ميادين الحرب، يعيش معهم بحسه وعواطفه ووطنيته، ان لم يستطع ان يعيش معهم بجسمه وعينيه.
لذلك كان المعري شاعر النضال العربي المسلح في تلك الفترة الحرجة من حياة الوطن العربي.
كان الصوت الذي تغنى ببطولات المقاتلين، وتحمس لوقائعهم، وحرض على أعدائهم.
المعري الهادئ الرقيق القلب الذي يشفق على الحيوان المذبوح فلا يأكل اللحم، هو نفسه الذي يقول وقد سمع بجولات فرسان العرب ذيادا عن وطنهم:
فوارس قوالون للخيل اقدمي * وليس على غير الرؤوس مجال لهم اسف يزداد اثر الذي مضى * من الدهر سلما ليس فيه قتال بأيديهم السمر العوالي كأنما * يشب على أطرافهن ذبال ها هو المعري ينقلب بعد الرفق واللين أسدا هصورا يستطيب مرأى الدم الفوار، ويستعذب تخيل الفوارس جوالة فوق الرؤوس المضرجة بالنجيع

(1) بلغ من اهتمام الإمبراطور نقفور فوكاس بمحاربة الفاطميين، انه أسطولا ضخما ملأه بالمؤمن والذخيرة، واعد جيشا يقرب من خمسين الف رجل مجهزين بأحسن آلات الحرب وامر عليه رجلين أحدهما (منويل) وكان يمت اليه بصلة القرابة، فانهزم الجيش والأسطول هزيمة كاسحة.
(٢٩٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 المقدمة - آتش حيدر علي فيضي - آصف الدولة - إبراهيم شرارة 5
2 إبراهيم العلوي بن حسين - إبراهيم مجتهد - أبو الحسن شمس آبادي - أبو الفضل الطهراني - أحمد القزويني بن السيد حميد 10
3 أحمد آل كاشف الغطاء - السيد أحمد الخونساري - أبو العلاء المعري 12
4 أحمد بن منير الطرابلسي 15
5 إسماعيل الصفوي 18
6 أفضل الدين الكاشاني 19
7 أسامة بن منقذ - انشاء الله خان - أنيس 21
8 باقر كاشف الغطاء - باقر أمين الورد - باقر سماكة بن الشيخ محمد - باقر عبد الغني - بدران المزيدي 22
9 البرسيين - بزرك أبو الحسن علوي 23
10 تقي الشيخ راضي - توفيق الفكيكي - جابر الشكري بن عزيز - جرأت - جعفر الخليلي 24
11 جعفر همدر 25
12 جواد علوش - جون 28
13 حبيب بن محمد - حسن علي نجابت - حسين الخادمي - ابن سينا 30
14 حسين القزويني 35
15 حسين معتوق - أبو نواس الحسن بن هاني 36
16 حسن البحراني 40
17 الحسين بن نما الحلي 41
18 حيدر الآملي 42
19 حيدري - خضر المهراني - خضر الطائي - الخطاطون في العهد الصفوي 43
20 الخليل الفراهيدي 46
21 خليل مغنية 47
22 خليل ياسين 48
23 دبير - دبيس المزيدي - دعبل الخزاعي 50
24 رجل من بني ليث - ذو فقار الدولة - راضي آل ياسين 51
25 رضي ذو النوري - راغب حرب - رحيم آرباب - زاير البرسي - سبط الحسن الجايسي - سعد صالح 52
26 سعيد نفيسي - سكينة بگم - سليم حيدر 53
27 سليمان عبد الجبار - سودا - شاكر هادي شكر - شهدة - صادق شفق 56
28 صادق الفحام - صالح الشهرستاني - صدر الدين الصدر 58
29 صدر الدين شرف الدين - صدر الدين الدهلوي - صفي 59
30 الضحاك المشرفي - ضياء الدين الخالصي - ضياء الدين العراقي 60
31 طاهر بن يحيى - طه باقر - الطفيل - طلائع بن رزيك 61
32 ظالم بن عمرو أبو الأسود الدؤلي 62
33 ظالم بن شراق - عابس الشاكري - العباسيون 64
34 عارف الحر 79
35 عباس اقبال 80
36 عباس أبو الحسن 81
37 عباس القمي - عباس الشيرازي - عباس القرشي 82
38 عباس الهمداني 83
39 عبد الحسين دست غيب - عبد الحسين الأميني - عبد الحسين الحلي 84
40 عبد الحسين نور الدين 85
41 عبد الرؤوف الأمين 86
42 عبد الرضا صادق 89
43 عبد الرضا المطبعي - عبد العزيز بن البراج 91
44 عبد الصاحب الحكيم - عبد الكريم الخليل 97
45 عبد الكريم بن طاووس - عبد الكريم الهاشمي - عبد الله الجزائري 100
46 عبد الله التستري - عبد الله الشيرازي - عبد الله الكلبي - عبد الله الطائي 101
47 عبد الله وعبد الرحمن الغفاريان - عبد الله أحمديه 102
48 عبد الله الشيرازي - عبد الله الصائغ 103
49 عبد الله بن سلمة - عبيد الله الكوفي - عبد المطلب الحلي 106
50 عبد المطلب الأمين 107
51 عبد المهدي مطر 112
52 عبد الله الجعفي - علي إبراهيم 115
53 علي رضا عباسي 117
54 علي أكبر دهخدا 119
55 علي أكبر نواب - علي الأنصاري الشيرازي - سيف الدولة علي بن حمدان 121
56 علي بن عبد الله بن العباس - علي البحراني - علي النوري 124
57 علي آل شبانة - علي البهبهاني - علي الشيرازي 125
58 علي بن الحسن شميم الحلي 126
59 علي بن حمدون - علي المراغي - علي الهمذاني 127
60 علي الميبدي - علي الخياباني - علي الأبزري - علي نياز - عطية الكوفي - عمرو الأنصاري - عمر الصيداوي - غالب 128
61 غلام رضا سرخي - فاضل الجمالي 129
62 فؤاد عباس 148
63 فتى من أهل الكوفة - الفضل بن جعفر - الفضل بن الزبير الكوفي 149
64 القاسم بن معية - القاسم بن مظاهر - قيس النابغة الجعدي 154
65 قيس النجاشي - كليب الجرمي - الكميت 155
66 لطف الله العاملي 160
67 لطف الله البحراني - ماجد الصادقي - عضد الدين المبارك الأسدي 162
68 مجيد العطار 163
69 محمد بن أبي بكر الهمذاني - محسن جمال الدين - محسن الموسوي - محمد أبو نصر الفارابي 164
70 محمد أبو النديم 174
71 محمد بن إدريس الحلي 178
72 محمد باقر - محمد حسين الكازروني - محمد الحسيني - محمد المتخلص - محمد الشيرازي - محمد معصوم - محمد الكازروني الطبيب - محمد الدهدار الشيرازي - محمد نصير الدين 179
73 محمد مهدي حجاب الشيرازي - محمد بن يوسف الشيرازي - محمد بن الحسين الشيخ البهائي 180
74 محمد الغفاري كمال الملك 181
75 محمد باقر الدهلوي - محمد صادق بحر العلوم - محمد بهشتي 183
76 محمد تقي بهار 184
77 محمد الحجة - محمد جمال الهاشمي 185
78 محمد حرز الدين - محمد الخليلي 186
79 محمد حسن الحكيم 187
80 محمد أبو جعفر الطوسي 188
81 محمد تقي الآملي 199
82 محمد جواد باهنر - محمد حسين آزاد - محمد الطباطبائي - محمد رضا الشبيبي 200
83 محمد رضا القمي - محمد شريف خان - محمد مفتح - محمد بن الأبار 204
84 محمد الشويكي 205
85 محمد شرارة 206
86 محمد حسين الشهرستاني 210
87 محمد صادق نشأت - محمد رضا شرف الدين 211
88 محمد آل شبانة - محمد صدوقي 212
89 محمد الأردوبادي - محمد علي بري - محمد الشيباني 213
90 محمد علي خاتون - محمد الصاحبي - محمد الجزائري - محمد المدرسي 218
91 محمد المعصومي - محمد بن طباطبا - محمد جواد - محمد ناصر 219
92 محمد علي اليعقوبي 221
93 محمد بن عمر الكشي - محمد قسام - محمد قطب شاه 222
94 محمد قلي قطب شاه - دول الهند الشيعية - محمد كال شعيب 223
95 محمد المقدادي القمي 225
96 محمد بن المبارك الكرخي - محمد نصير الدين الطوسي 228
97 محمد بن مكي الشهيد الأول - محمد الجبي 237
98 محمد هاشم الأشكوري 240
99 محمد بن هاني الأندلسي 241
100 محمد يوسف مقلد 243
101 محمد بن المبارك الكرخي 244
102 محمد مهدي البصير 245
103 محمود بن الياس الشيرازي - محمود الحبوبي 246
104 محمود الحمصي 249
105 محمود الشاهرودي - محمود الطالقاني - محمود بن مسعود الشيرازي - محيي الدين شمس الدين 250
106 مرتضى مطهري - مزيد المزيدي - مصطفى جواد 252
107 معاذ بن مسلم الهراء - المقداد السيوري - مهيار الديلمي 253
108 موسى الزين شرارة 268
109 موسى سيار الشيرازي - مير أمين - مير حسن - مير آبادي 270
110 ناسخ - ناصر الدين الشيخ راشد - نصر الخبز أرزي 271
111 نصير الدين ناصر العلوكي 272
112 ناصيف النصار 274
113 نصر بن علي الحلي - نصير الدين المنازي - نظير - نواب صفوي 280
114 النوار ابنة مالك - هادي النحوي - هادي كمال الدين - هاشم معروف الحسني 283
115 هبة الله بن علي - ابن الشجري 284
116 ورام الحلي - يحيى القرشي - يزدن التركي 285
117 يزيد بن قيس - يزيد بن زياد الكندي - يزيد بن مفرغ 286
118 يحيى بن البطريق 289
119 يعقوب بن داود 290
120 يوسف بن المطهر - يوسف رجيب - يونس الأردبيلي - الأمويون والإسلام والعروبة 291
121 الشيعة يحمون العالم الإسلامي 296
122 الحجاج بن يوسف 299
123 كلمة الختام 301