المعنى:
فان قيل: كيف يأمرنا الشيطان ونحن لا نراه، ولا نسمع كلامه! قلنا: لما كان الواحد منا يجد من نفسه معنى الامر بما يجد من الدعاء إلى المعصية، والمنازعة في الخطيئة، وكان ما نجده من نفوسنا من الدعاء والاغواء إنما هو بأمر الشيطان الذي دلنا الله عليه، وحذرنا منه، صح إخبار الله بذلك. فان قيل: إذا كان الله عز وجل يوصل معنى أمره لنا إلى نفوسنا، فما وجه ذلك في الحكمة، وهو لو أمر من غير إيصال معنى الامر لم يكن في ذلك مضرة؟ قلنا. في ذلك أكبر النعمة لان التكليف لا يصح إلا مع منازعة إلى الشئ المنهي عنه، فكان ذلك من قبل عدو، يحذره، أولى من أن يكون المنازعة من قبل ولي يستنصحه. وفي ذلك المصلحة لنا بالتعريض للثواب الذي يستحقه بالمخالفة له، والطاعة لله تعالى، كما أن في خلقه مصلحة من هذه الجهة، وإذا كان إنما أفهمنا ذلك لنجتنبه، فهو كتعليم شبهة ملحد، لنعلم حلها وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: إن المعارف ضرورة، لأنها لو كانت ضرورة، لما جاز أن يدعوهم إلى خلافها، كما لا يدعوهم إلى خلاف ما هم مضطرون إليه من أن السماء فوقهم، والأرض تحتهم، وما جرى مجراه مما يعلم ضرورة لان الدعاء إلى ذلك يجري مجرى الدعاء إلى خلق الأجسام، وبعث الأموات، لا يدخل تحت مقدور القدرة. وقد استدل نفاة القياس، والقول بالاجتهاد بهذه الآية بأن قالوا: القول بالاجتهاد والقياس قول بغير علم، وقد نهى الله عن ذلك فيجب أن يكون ذلك محظورا، ومذهبنا وإن كان المنع من القول بالاجتهاد، فليس في هذه الآية دلالة على ذلك، لان للخصم أن يقول: إذا دلني الله تعالى على العمل بالاجتهاد، فلا أعمل أنا به إلا بالعلم، ويجري ذلك؟ وجوب العمل عند شهادة الشاهدين، والعمل بقول المقومين في أروش الجنايات وقيم المتلفات، وجهات القبلة، وغير ذلك من الأشياء التي هي واقعة على الظن شرط، والعمل واقف على الدليل الموجب للعلم