مغني المحتاج - محمد بن أحمد الشربيني - ج ٤ - الصفحة ٣٢١
(لم أرد به اليمين) لأنها لا تحمل غيره، وما جزم به هنا من صراحة هذه الألفاظ وأنه إن نوى غير اليمين لم يقبل هو المعروف، لكن ذكرا عند حروف القسم فيما لو قال: والله لأفعلن كذا ونوى غير اليمين أنه يقبل ظاهرا على المذهب وهذا هو المعتمد، ويحمل كلامه هنا أنه لا يقبل منه إرادة غير الله تعالى ظاهرا ولا باطنا، لأن اليمين بذلك لا تحتمل غيره، وإنما قبل منه هنا إرادة غير اليمين بخلاف الطلاق والايلاء والعتاق لتعلق حق غيره به، ولان العادة جرت بإجراء لفظ اليمين بلا قصد، بخلاف هذه الثلاثة فدعواه فيها تخالف الظاهر فلا يقصد، فإن كان ثمة قرينة تدل على قصد اليمين لم يصدق ظاهرا.
فائدة: التورية في الايمان نافعة، والعبرة فيها بنية الحالف إلا إذا استحلفه القاضي بغير الطلاق والعتاق كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الدعاوى، وهي وإن كان لا يحنث بها لا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق المستحق بالاجماع، فمن التورية أن ينوي باللباس الليل، وبالفراش والبساط الأرض، وبالأوتاد الجبال، وبالسقف والبناء السماء، وبالآخرة آخرة الاسلام، وما ذكرت فلانا: أي ما قطعت ذكره، وما عرفته: ما جعلته عريفا، وما سألته حاجة: أي شجرة صغيرة وما أكلت له دجاجة: أي كبة من غزل، ولا فروجة: أي دراعة ولا في بيتي فرس: أي صغار الإبل، ولا حصير، أي الملك، وما له عندي جارية: أي سفينة، وما عندي كلب: أي مسمار في قائم السيف، وكل هذا يجمعه قوله (ص):
إن في المعاريض لمندوحة من الكذب. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: في المعاريض ما يغني المسلم عن الكذب.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما أحب بمعاريض الكلام حمر الوحش. وقد حكى عبد الرحمن ابن أبي ليلى أنه كان له جارية يطؤها سرا من أهله فوطئها ليلة وأراد أن يغتسل وكره أن يعلم أهله، فقال: إن مريم بنت عمران عليها السلام كانت تغتسل في مثل هذه الليلة فلم يبق في منزله أحد إلا اغتسل واغتسل هو معهم، وكانت مريم تغتسل كل ليلة، وكان إبراهيم النخعي قد خط في بيته مسجدا، فإذا جاء من لا يريد دخوله عليه قال للجارية قولي هو في المسجد، وحضر سفيان الثوري مجلس النهدي فحلف له أنه يعود إليه، ثم نهض وترك نعله كالناسي له، ثم رجع من ساعته فأخذه وخرج فلم يره بعدها. (وما انصرف إليه سبحانه) وتعالى (عند الاطلاق) ويصرف إلى غيره مقيدا (كالرحيم والخالق والرازق) والجبار والمتكبر والقاهر والقادر والحق (والرب تنعقد به اليمين) سواء أقصده سبحانه وتعالى أم أطلق، لأن الاطلاق ينصرف إليه تعالى.
فائدة: الألف واللام في هذه الصفات ونحوها ليست للعموم ولا للعهد بل للكمال. قال سيبويه: تكون لام التعريف للكمال تقول: زيد الرجل، تريد الكامل في الرجولية، وكذا هي في أسماء الله تعالى، فإذا قلت الرحمن: أي الكامل في معنى الرحمة، والعليم: أي الكامل في معنى العلم، وكذا تتمة الأسماء. (إلا أن يريد) الحالف (غيره) تعالى فيقبل ولا يكون يمينا، لأنه قد يستعمل في حق غيره مقيدا: كرحيم القلب وخالق الكذب ورازق الجيش. قال تعالى: * (وتخلقون إفكا) * وقال: * (فارزقوهم منه) * ورب الإبل (وما استعمل فيه) تعالى (وفي غيره) استعماله (سواء كالشئ والموجود) وكالسميع والبصير (والعالم) بكسر اللام (والحي) والغني والكريم (ليس بيمين إلا بنية) لأنها لما استعملت فيه، وفي غيره سواء أشبهت كنايات الطلاق، فإن نواه تعالى فهو يمين، بخلاف ما إذا أراد بها غيره أو أطلق (والصفة) الذاتية (كوعظمة الله) تعالى (وعزته وكبريائه وكلامه وعلمه وقدرته ومشيئته يمين) بشرط أن يأتي بالظاهر بدل المضمر في الستة لأنها صفات لم يزل سبحانه وتعالى موصوفا بها فأشبهت الأسماء المختصة به، وهذه الأربعة الأخيرة من الصفات التي جملتها عند الأشاعرة ثمانية مجموعة في قول الناظم:
حياة وعلم قدرة وإرادة كلام وإبصار وسمع مع البقا
(٣٢١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 كتاب الجراح 2
2 فصل: في الجناية من اثنين وما يذكر معها 12
3 فصل: في أركان القصاص في النفس، وهي ثلاثة الخ 13
4 فصل: في تغير حال المجروح من وقت الجرح إلى الموت الخ 23
5 فصل: في شروط القصاص في الأطراف والجراحات والمعاني، وفي إسقاط الشجاج الخ 25
6 باب كيفية القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه 30
7 فصل: في اختلاف ولي الدم والجاني 38
8 فصل: في مستحق القصاص ومستوفيه 39
9 فصل: في موجب العمد، وفي العفو 48
10 كتاب الديات 53
11 فصل: في موجب ما دون النفس، وهو ثلاثة أقسام الخ 58
12 فصل: تجب الحكومة فيما لا مقدر فيه الخ 77
13 باب موجبات الدية والعاقلة والكفارة 80
14 فصل: فيما يوجب الشركة في الضمان وما يذكر معه 89
15 فصل: في العاقلة، وكيفية تأجيل ما تحمله 95
16 فصل: في جناية الرقيق 100
17 فصل: في دية الجنين 103
18 فصل: في كفارة القتل التي هي من موجباته 107
19 كتاب دعوى الدم والقسامة 109
20 فصل: فيما يثبت موجب القصاص وموجب المال من إقرار وشهادة 118
21 كتاب البغاة 123
22 فصل: في شروط الإمام الأعظم الخ 129
23 كتاب الردة 133
24 كتاب الزنا 143
25 كتاب حد القذف 155
26 كتاب قطع السرقة 158
27 فصل: فيما لا يمنع القطع وما يمنعه الخ 170
28 فصل: في شروط السارق الخ 174
29 باب قاطع الطريق 180
30 فصل: في اجتماع عقوبات في غير قاطع الطريق 184
31 كتاب الأشربة 186
32 فصل: في التعزير 191
33 كتاب الصيال وضمان الولاة 194
34 فصل: في ضمان ما تتلفه البهائم 204
35 كتاب السير 208
36 فصل: فيما يكره من الغزو الخ 220
37 فصل: في حكم ما يؤخذ من أهل الحرب 227
38 فصل: في الأمان 236
39 كتاب الجزية 242
40 فصل: في أقل الجزية دينار لكل سنة 248
41 فصل: في أحكام عقد الجزية الزائدة على ما مر 253
42 باب الهدنة 260
43 كتاب الصيد والذبائح 265
44 فصل: يحل ذبح حيوان مقدور عليه الخ 273
45 فصل: فيما يملك به الصيد وما يذكر معه 278
46 كتاب الأضحية 282
47 فصل: في العقيقة 293
48 كتاب الأطعمة 297
49 كتاب المسابقة والمناضلة 311
50 كتاب الايمان 320
51 فصل: في صفة كفارة اليمين 327
52 فصل: في الحلف على السكنى والمساكنة الخ 329
53 فصل: في الحلف على أكل أو شرب الخ 335
54 فصل: في مسائل منثورة 342
55 فصل: في الحلف على أن لا يفعل كذا 350
56 كتاب النذر 354
57 فصل: في نذر حج أو عمرة أو هدي أو غيرها 362
58 كتاب القضاء 371
59 فصل: فيما يعرض للقاضي مما يقتضي عزله الخ 380
60 فصل: في آداب القضاء وغيرها 385
61 فصل: في التسوية بين الخصمين 400
62 باب القضاء على الغائب 406
63 فصل: في بيان الدعوى بعين غائبة أو غيرها الخ 411
64 فصل: في ضابط الغائب المحكوم عليه الخ 414
65 باب القسمة 418
66 كتاب الشهادات 426
67 فصل: في بيان ما يعتبر فيه شهادة الرجال الخ 440
68 فصل: في تحمل الشهادة وأدائها وكتابة الصك 450
69 فصل: في جواز تحمل الشهادة على الشهادة وأدائها 452
70 فصل: في رجوع الشهود عن شهادتهم 456
71 كتاب الدعوى والبينات 461
72 فصل: فيما يتعلق بجواب المدعى عليه 468
73 فصل: في كيفية الحلف والتغليظ فيه الخ 472
74 فصل: في تعارض البينتين مع شخصين 480
75 فصل: في اختلاف المتداعيين في العقود وغيرها 485
76 فصل: في شروط القائف 488
77 كتاب العتق 491
78 فصل: في العتق بالبعضية 499
79 فصل: في الاعتاق في مرض الموت الخ 502
80 فصل: في الولاء 506
81 كتاب التدبير 509
82 فصل: في حكم حمل المدبرة والمعلق عتقها الخ 513
83 كتاب الكتابة 516
84 فصل: فيما يلزم السيد بعد الكتابة الخ 521
85 فصل: في لزوم الكتابة وجوازها الخ 528
86 فصل: في مشاركة الكتابة الفاسدة الصحيحة ومخالفتها لها 532
87 كتاب أمهات الأولاد 538
88 التعريف بالامام النووي 545
89 التعريف بالامام الشربيني الخطيب 548