مغني المحتاج - محمد بن أحمد الشربيني - ج ٤ - الصفحة ٣٩٥
يراها كان حكمه بها أعلى من حكمه بالموجب. مثاله بيع المدبر مختلف في صحته، ف الشافعي يرى صحته، والحنفي يرى فساده، فإذا حكم بصحته شافعي كان حكمه بها أعلى من حكمه بموجب البيع، لأن حكمه في الأول حكم المختلف فيه قصدا، وفي الثاني يكون حكمه بها ضمنا، لأنه في الثاني إنما حكم قصدا بترتب أثر البيع عليه، واستتبع هذا الحكم الحكم بالصحة، لأن أثر الشئ إنما يترتب عليه إذا كان صحيحا. ومثل هذا تعليق طلاق المرأة على نكاحها، ف الشافعي يرى بطلانه والمالكي يرى صحته، فلو حكم بصحته مالكي صح، واستتبع حكمه به الحكم بوقوع الطلاق إذا وجد السبب، وهو النكاح، بخلاف ما لو حكم بموجب التعليق المذكور فإنه يكون حكمه متوجها إلى وقوع الطلاق قصدا لا ضمنا فيكون لغوا، لأن الوقوع لم يوجد، فهو حكم بالشئ قبل وجوده، فلا يمنع الشافعي أن يحكم بعد النكاح ببقاء العصمة وعدم وقوع الطلاق. وإذا كان الشئ متفقا على صحته والخلاف في غيرها كان الامر بالعكس، أي يكون الحكم بالموجب فيه أعلى من الحكم بالصحة، مثاله التدبير متفق على صحته، فإذا حكم الحنفي بصحته لا يكون حكمه مانعا للشافعي من الحكم بصحة بيعه، بخلاف ما لو حكم الحنفي بموجب التدبير، فإن حكمه بذلك يكون حكما ببطلان بيعه، فهو مانع من حكم الشافعي بصحة بيعه. وهل يكون حكم الشافعي بموجب التدبير حكما بصحة بيعه حتى لا يحكم الحنفي بفساده؟ الظاهر كما قال الأشموني لا، لأن جواز بيعه ليس من موجب التدبير، بل التدبير ليس مانعا منه ولا مقتضيا له. نعم جواز بيعه من موجبات الملك، فلو حكم شافعي بموجب الملك أن يكون مانعا للحنفي من الحكم ببطلان بيعه، لأن الشافعي حينئذ قد حكم بصحة البيع ضمنا. ومثل التدبير بيع الدار المتفق على صحته لو اختلف فيه، إذا حكم الشافعي بصحته كان حكمه مانعا للحنفي من الحكم بشفعة الجوار، وإن حكم بموجب البيع كان حكمه به مانعا للحنفي من ذلك. ولو حكم شافعي بصحة إجارة لا يكون حكمه مانعا للحنفي من الحكم بفسخها بموت أحد المتاجرين، وإن حكم الشافعي فيها بالموجب فالظاهر خلافا لبعضهم أن حكمه يكون مانعا للحنفي من الحكم بالفسخ بعد الموت، لأن حكم الشافعي بالموجب قد يتناول الحكم بانسحاب بقاء الإجارة ضمنا. فإن قيل: حكم الشافعي ببقاء الإجارة بعد الموت حكم بالموت قبل وجوده فيكون باطلا كما مر في حكم المالكي بموجب التعليق. أجيب بأن الحكم ببقاء الإجارة حكم وقع ضمنا، لأن موجب الإجارة لم ينحصر فيه، وحكم المالكي بموجب التعليق وقع بوقوع الطلاق قصدا لانحصار موجب التعليق فيه، وهم يغتفرون في الضمنيات ما لا يغتفرون في القصديات، قال الأشموني:
هذا ما ظهر لي. وقد بان لك أن الحكم بالصحة يستلزم الحكم بالموجب وعكسه، وهذا غالب لا دائم فقد يتجرد كل منهما عن الآخر، مثال تجرد الصحة البيع بشرط الخيار فإنه صحيح ولم يترتب عليه أثره فيحكم فيه بالصحة ولا يحكم فيه بالموجب، ومثال تجرد الموجب الخلع والكتابة على نحو خمر فإنهما فاسدان ويترتب عليهما أثرهما من البينونة والعتق ولزوم مهر المثل والقيمة فيحكم فيهما بالموجب دون الصحة، وكذا الربا والسرقة ونحوهما يحكم فيه بالموجب دون الصحة. ويتوقف الحكم بموجب البيع مثلا كما أوضحته على ثبوت ملك المالك وحيازته وأهليته وصحة صيغته في مذهب الحاكم. وقال ابن قاسم أخذا من كلام ابن شهبة: والفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب أن الحكم بالموجب يستدعي صحة الصيغة وأهلية التصرف، والحكم بالصحة يستدعي ذلك وكون التصرف صادرا في محله وفائدته في الأثر المختلف فيه، فلو وقف على نفسه وحكم بموجبه حاكم كان حكما منه بأن الواقف من أهل التصرف، وصيغة وقفه على نفسه صحيحة حتى لا يحكم ببطلانها من يرى الابطال، وليس حكما بصحة وقفه لتوقفه على كونه مالكا لما وقفه حين وقفه ولم يثبت ذلك. ويسن للقاضي إذا أراد الحكم أن يعلم الخصم بأن الحكم موجبه عليه وله الحكم على ميت بإقراره حيا في أحد وجهين رجحه الأذرعي. (ويستحب) للقاضي (نسختان) بما وقع بين الخصمين وإن لم يطالبا بذلك. (إحداهما) تعطى (له) أي صاحب الحق غير مختومة لينظر فيها ويعرضها على الشهود لئلا ينسوا. (و) النسخة (الأخرى تحفظ في ديوان الحكم) مختومة مكتوبا على رأسها اسم الخصمين ويضعها في حرز
(٣٩٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 390 391 392 393 394 395 396 397 398 399 400 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 كتاب الجراح 2
2 فصل: في الجناية من اثنين وما يذكر معها 12
3 فصل: في أركان القصاص في النفس، وهي ثلاثة الخ 13
4 فصل: في تغير حال المجروح من وقت الجرح إلى الموت الخ 23
5 فصل: في شروط القصاص في الأطراف والجراحات والمعاني، وفي إسقاط الشجاج الخ 25
6 باب كيفية القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه 30
7 فصل: في اختلاف ولي الدم والجاني 38
8 فصل: في مستحق القصاص ومستوفيه 39
9 فصل: في موجب العمد، وفي العفو 48
10 كتاب الديات 53
11 فصل: في موجب ما دون النفس، وهو ثلاثة أقسام الخ 58
12 فصل: تجب الحكومة فيما لا مقدر فيه الخ 77
13 باب موجبات الدية والعاقلة والكفارة 80
14 فصل: فيما يوجب الشركة في الضمان وما يذكر معه 89
15 فصل: في العاقلة، وكيفية تأجيل ما تحمله 95
16 فصل: في جناية الرقيق 100
17 فصل: في دية الجنين 103
18 فصل: في كفارة القتل التي هي من موجباته 107
19 كتاب دعوى الدم والقسامة 109
20 فصل: فيما يثبت موجب القصاص وموجب المال من إقرار وشهادة 118
21 كتاب البغاة 123
22 فصل: في شروط الإمام الأعظم الخ 129
23 كتاب الردة 133
24 كتاب الزنا 143
25 كتاب حد القذف 155
26 كتاب قطع السرقة 158
27 فصل: فيما لا يمنع القطع وما يمنعه الخ 170
28 فصل: في شروط السارق الخ 174
29 باب قاطع الطريق 180
30 فصل: في اجتماع عقوبات في غير قاطع الطريق 184
31 كتاب الأشربة 186
32 فصل: في التعزير 191
33 كتاب الصيال وضمان الولاة 194
34 فصل: في ضمان ما تتلفه البهائم 204
35 كتاب السير 208
36 فصل: فيما يكره من الغزو الخ 220
37 فصل: في حكم ما يؤخذ من أهل الحرب 227
38 فصل: في الأمان 236
39 كتاب الجزية 242
40 فصل: في أقل الجزية دينار لكل سنة 248
41 فصل: في أحكام عقد الجزية الزائدة على ما مر 253
42 باب الهدنة 260
43 كتاب الصيد والذبائح 265
44 فصل: يحل ذبح حيوان مقدور عليه الخ 273
45 فصل: فيما يملك به الصيد وما يذكر معه 278
46 كتاب الأضحية 282
47 فصل: في العقيقة 293
48 كتاب الأطعمة 297
49 كتاب المسابقة والمناضلة 311
50 كتاب الايمان 320
51 فصل: في صفة كفارة اليمين 327
52 فصل: في الحلف على السكنى والمساكنة الخ 329
53 فصل: في الحلف على أكل أو شرب الخ 335
54 فصل: في مسائل منثورة 342
55 فصل: في الحلف على أن لا يفعل كذا 350
56 كتاب النذر 354
57 فصل: في نذر حج أو عمرة أو هدي أو غيرها 362
58 كتاب القضاء 371
59 فصل: فيما يعرض للقاضي مما يقتضي عزله الخ 380
60 فصل: في آداب القضاء وغيرها 385
61 فصل: في التسوية بين الخصمين 400
62 باب القضاء على الغائب 406
63 فصل: في بيان الدعوى بعين غائبة أو غيرها الخ 411
64 فصل: في ضابط الغائب المحكوم عليه الخ 414
65 باب القسمة 418
66 كتاب الشهادات 426
67 فصل: في بيان ما يعتبر فيه شهادة الرجال الخ 440
68 فصل: في تحمل الشهادة وأدائها وكتابة الصك 450
69 فصل: في جواز تحمل الشهادة على الشهادة وأدائها 452
70 فصل: في رجوع الشهود عن شهادتهم 456
71 كتاب الدعوى والبينات 461
72 فصل: فيما يتعلق بجواب المدعى عليه 468
73 فصل: في كيفية الحلف والتغليظ فيه الخ 472
74 فصل: في تعارض البينتين مع شخصين 480
75 فصل: في اختلاف المتداعيين في العقود وغيرها 485
76 فصل: في شروط القائف 488
77 كتاب العتق 491
78 فصل: في العتق بالبعضية 499
79 فصل: في الاعتاق في مرض الموت الخ 502
80 فصل: في الولاء 506
81 كتاب التدبير 509
82 فصل: في حكم حمل المدبرة والمعلق عتقها الخ 513
83 كتاب الكتابة 516
84 فصل: فيما يلزم السيد بعد الكتابة الخ 521
85 فصل: في لزوم الكتابة وجوازها الخ 528
86 فصل: في مشاركة الكتابة الفاسدة الصحيحة ومخالفتها لها 532
87 كتاب أمهات الأولاد 538
88 التعريف بالامام النووي 545
89 التعريف بالامام الشربيني الخطيب 548