مغني المحتاج - محمد بن أحمد الشربيني - ج ٤ - الصفحة ١٥٧
وعلى هذا لو شهد عليها دون أربعة حدوا لأنهم قذفة (وكذا أربع نسوة وعبيد وكفرة) أهل ذمة فإنهم في كل من المسائل الثلاث يحدون (على المذهب) لأنهم ليسوا من أهل الشهادة فلم يقصدوا إلا القذف. والطريق الثاني في حدهم القولان تنزيلا لنقص الصفة منزلة نقص العدد.
تنبيه: محل الخلاف كما قال الإمام إذا كانوا في ظاهر الحال بصفة الشهود ثم بانوا كفارا أو عبيدا، لأن القاضي إذا علم حالهم لا يصغي إليهم فيكون قولهم قذفا محصنا قطعا، لأنه ليس في معرضه شهادة.
فروع: لو شهد أربعة بالزنا وردت شهادتهم بفسق ولو مقطوعا به كالزنا وشرب الخمر لم يحدوا وفارق ما مر في نقص العدد بأن نقص العدد متيقن وفسقهم إنما يعرف بالظن والاجتهاد والحد يدرأ بالشبهة، ولو شهد دون أربعة بالزنا فحدوا وعادوا مع رابع لم تقبل شهادتهم كالفاسق ترد شهادته ثم يتوب ويعيدها لم تقبل، ولو شهد بالزنا عبيد وحدوا فعادوا بعد العتق قبلت لعدم اتهامهم، ولو شهد به خمسة فرجع واحد منهم عن شهادته لم يحد لبقاء النصاب، أو اثنان منهم حدا لأنهما ألحقا به العار دون الباقين لتمام النصاب عند الشهادة مع عدم تقصيرهم، ولو رجع واحد من أربعة حد وحده دون الباقين لما ذكر (ولو شهد واحد على إقراره) بزنا (فلا) حد عليه جزما، لأن من قال لغيره:
قد أقررت بأنك زنيت وهو في معرض القذف والتعبير لاحد عليه، فكذا هنا.
تنبيه: شاهد الجرح بالزنا ليس بقاذف للحاجة وإن لم يوافقه غيره كما صوبه المصنف خلافا للرافعي حيث جعل عدم موافقة غيره كنقص العدد (ولو تقاذفا) أي قذف كل من شخصين صاحبه (فليس) ذلك (تقاصا) فلا يسقط حد هذا الحد هذا، بل لكل منهما أن يحد الآخر، لأن التقاص إنما يكون عند اتفاق الجنس والصفة والحدان لا يتفقان في الصفة، إذ لا يعلم التساوي لاختلاف القاذف والمقذوف في الضعف والقوة والخلقة غالبا (ولو استقل المقذوف بالاستيفاء) للحد من قاذفه ولو بإذنه (لم يقع الموقع) على الصحيح، لأن إقامة الحد من منصب الإمام فيترك حتى يبرأ ثم يحد، واستثنى من ذلك صورتان: الأولى لو قذف العبد سيده فله أن يحده كما صرحا به آخر باب الزنا. والثانية إذا بعد عن السلطان في بادية وقدر على الاستيفاء بنفسه من غير تجاوز جاز كما قاله الماوردي خاتمة: إذا سب إنسان إنسانا جاز للمسبوب أن يسب الساب بقدر ما سبه لقوله تعالى * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) *.
ولا يجوز أن يسب أباه ولا أمه. وروي أن زينب لما سبت عائشة قال لها النبي (ص) سبيها كذا رواه أبو داود. وفي سنن ابن ماجة: دونك فانتصري فأقبلت عليها حتى يبس ريقها في فيها فتهلل وجه النبي (ص).
وإنما يجوز السب بما ليس كذبا ولا قذفا كقوله: يا ظالم يا أحمق لأن أحدا لا يكاد ينفك عن ذلك، وإذا انتصر بسبه فقد استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقه وبقي عليه أثم الابتداء أو الاثم لحق الله تعالى، ويجوز للمظلوم أن يدعو على ظالمه كما قاله الجلال السيوطي في تفسير قوله تعالى * (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) * قال: بأن يخبر عن ظلم ظالمه ويدعو عليه اه‍. ويخفف عن الظالم بدعاء المظلوم، لما رواه أحمد في كتاب الزهد عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: بلغني أن الرجل ليظلم مظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينقصه حتى يستوفي حقه. وفي الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي (ص) قال: من دعا على من ظلمه فقد استنصر وفي كتاب اللطائف للقاضي أبي يوسف أن امرأة من بني إسرائيل كانت صوامة قوامة سرقت لها امرأة دجاجة فنبت ريش الدجاجة في وجه السارقة وعجزوا عن إزالته عن وجهها فسألوا عن ذلك بعض علمائهم، فقالوا: لا يزول هذا الريش إلا بدعائها عليها، قال فأتتها عجوز وذكرتها بدجاجتها فلم تزل بها إلى أن دعت على سارقها دعوة فسقط من وجهها ريشة فلم تزل تكرر ذلك حتى سقط جميع الريش، واختلف العلماء في التحليل من الظلامة على ثلاثة أقوال: أي هل الأفضل التحليل أو لا؟ فكان ابن المسيب لا يحلل أحدا من عرض ولا مال، وكان سليمان بن يسار وابن سيرين يحللان منهما، ورأي مالك التحليل من
(١٥٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 كتاب الجراح 2
2 فصل: في الجناية من اثنين وما يذكر معها 12
3 فصل: في أركان القصاص في النفس، وهي ثلاثة الخ 13
4 فصل: في تغير حال المجروح من وقت الجرح إلى الموت الخ 23
5 فصل: في شروط القصاص في الأطراف والجراحات والمعاني، وفي إسقاط الشجاج الخ 25
6 باب كيفية القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه 30
7 فصل: في اختلاف ولي الدم والجاني 38
8 فصل: في مستحق القصاص ومستوفيه 39
9 فصل: في موجب العمد، وفي العفو 48
10 كتاب الديات 53
11 فصل: في موجب ما دون النفس، وهو ثلاثة أقسام الخ 58
12 فصل: تجب الحكومة فيما لا مقدر فيه الخ 77
13 باب موجبات الدية والعاقلة والكفارة 80
14 فصل: فيما يوجب الشركة في الضمان وما يذكر معه 89
15 فصل: في العاقلة، وكيفية تأجيل ما تحمله 95
16 فصل: في جناية الرقيق 100
17 فصل: في دية الجنين 103
18 فصل: في كفارة القتل التي هي من موجباته 107
19 كتاب دعوى الدم والقسامة 109
20 فصل: فيما يثبت موجب القصاص وموجب المال من إقرار وشهادة 118
21 كتاب البغاة 123
22 فصل: في شروط الإمام الأعظم الخ 129
23 كتاب الردة 133
24 كتاب الزنا 143
25 كتاب حد القذف 155
26 كتاب قطع السرقة 158
27 فصل: فيما لا يمنع القطع وما يمنعه الخ 170
28 فصل: في شروط السارق الخ 174
29 باب قاطع الطريق 180
30 فصل: في اجتماع عقوبات في غير قاطع الطريق 184
31 كتاب الأشربة 186
32 فصل: في التعزير 191
33 كتاب الصيال وضمان الولاة 194
34 فصل: في ضمان ما تتلفه البهائم 204
35 كتاب السير 208
36 فصل: فيما يكره من الغزو الخ 220
37 فصل: في حكم ما يؤخذ من أهل الحرب 227
38 فصل: في الأمان 236
39 كتاب الجزية 242
40 فصل: في أقل الجزية دينار لكل سنة 248
41 فصل: في أحكام عقد الجزية الزائدة على ما مر 253
42 باب الهدنة 260
43 كتاب الصيد والذبائح 265
44 فصل: يحل ذبح حيوان مقدور عليه الخ 273
45 فصل: فيما يملك به الصيد وما يذكر معه 278
46 كتاب الأضحية 282
47 فصل: في العقيقة 293
48 كتاب الأطعمة 297
49 كتاب المسابقة والمناضلة 311
50 كتاب الايمان 320
51 فصل: في صفة كفارة اليمين 327
52 فصل: في الحلف على السكنى والمساكنة الخ 329
53 فصل: في الحلف على أكل أو شرب الخ 335
54 فصل: في مسائل منثورة 342
55 فصل: في الحلف على أن لا يفعل كذا 350
56 كتاب النذر 354
57 فصل: في نذر حج أو عمرة أو هدي أو غيرها 362
58 كتاب القضاء 371
59 فصل: فيما يعرض للقاضي مما يقتضي عزله الخ 380
60 فصل: في آداب القضاء وغيرها 385
61 فصل: في التسوية بين الخصمين 400
62 باب القضاء على الغائب 406
63 فصل: في بيان الدعوى بعين غائبة أو غيرها الخ 411
64 فصل: في ضابط الغائب المحكوم عليه الخ 414
65 باب القسمة 418
66 كتاب الشهادات 426
67 فصل: في بيان ما يعتبر فيه شهادة الرجال الخ 440
68 فصل: في تحمل الشهادة وأدائها وكتابة الصك 450
69 فصل: في جواز تحمل الشهادة على الشهادة وأدائها 452
70 فصل: في رجوع الشهود عن شهادتهم 456
71 كتاب الدعوى والبينات 461
72 فصل: فيما يتعلق بجواب المدعى عليه 468
73 فصل: في كيفية الحلف والتغليظ فيه الخ 472
74 فصل: في تعارض البينتين مع شخصين 480
75 فصل: في اختلاف المتداعيين في العقود وغيرها 485
76 فصل: في شروط القائف 488
77 كتاب العتق 491
78 فصل: في العتق بالبعضية 499
79 فصل: في الاعتاق في مرض الموت الخ 502
80 فصل: في الولاء 506
81 كتاب التدبير 509
82 فصل: في حكم حمل المدبرة والمعلق عتقها الخ 513
83 كتاب الكتابة 516
84 فصل: فيما يلزم السيد بعد الكتابة الخ 521
85 فصل: في لزوم الكتابة وجوازها الخ 528
86 فصل: في مشاركة الكتابة الفاسدة الصحيحة ومخالفتها لها 532
87 كتاب أمهات الأولاد 538
88 التعريف بالامام النووي 545
89 التعريف بالامام الشربيني الخطيب 548