مغني المحتاج - محمد بن أحمد الشربيني - ج ١ - الصفحة ٨٢
تطهر لتنجس المطروح بها فينجسها بعد انقلابها خلا، وقيل: لاستعجاله بالمعالجة المحرمة فعوقب بضد قصده، وينبغي على العلتين الخلاف في مسألة النقل المذكورة. فإن قيل: لو عبر بالوقوع بدل الطرح لكان أولى لئلا يرد عليه ما لو وقع فيها شئ بغير طرح كإلقاء ريح فإنها لا تطهر معه على الأصح. أجيب بأنه إنما ذكر ذلك لأجل الخلاف القائل بالمعالجة المحرمة وإن كان الحكم فيما ذكر كذلك. نعم لو عصر العنب ووقع منه بعض حبات في عصيره لم يمكن الاحتراز عنها ينبغي أنها لا تضر، ولو نزع العين الطاهرة منها قبل التخلل لم يضر لفقد العلة بخلاف العين النجسة، لأن النجس يقبل التنجيس فلا يطهر بالتخلل، ولو ارتفعت بلا غليان بل بفعل فاعل لم يطهر الدن إذ لا ضرورة، ولا الخل لاتصالها بالمرتفع النجس. فلو غمر المرتفع بخمر طهرت بالتخلل ولو بعد جفافه خلافا للبغوي في تقييده بقبل الجفاف، ولو نقلت من دن إلى آخر طهرت بالتخلل بخلاف ما لو أخرجت منه ثم صب فيه عصير فتخمر ثم تخلل. والخمر هي المشتدة من ماء العنب كما مر.
ويؤخذ من الاقتصار عليها أن النبيذ وهو المتخذ من غير العنب كالتمر لا يطهر بالتخلل، وبه صرح القاضي أبو الطيب، لتنجس الماء به حالة الاشتداد فينجسه بعد الانقلاب خلا. وقال البغوي: يطهر، واختاره السبكي، لأن الماء من ضرورته، وهذا هو المعتمد. ويدل له ما صرحوا به في باب الربا من أنه لو باع خل تمر بخل عنب أو خل زبيب بخل غالب رطب صح، ولو اختلط عصير بخل مغلوب ضر لأنه لقلة الخل فيه يتخمر فيتنجس به بعد تخلله، أو بخل غالب فلا يضر لأن الأصل والظاهر عدم التخمر، وأما المساوي فينبغي إلحاقه بالخل الغالب لما ذكر.
فائدة: قال الحليمي: قد يصير العصير خلا من غير تخمر في ثلاث صور: إحداها: أن يصب في الدن المعتق بالخل.
ثانيها: أن يصب الخل في العصير فيصير بمخالطته خلا من غير تخمر، لكن محله كما علم مما مر أن لا يكون العصير غالبا.
ثالثها: إذا تجردت حبات العنب من عناقيده ويملا منها الدن ويطين رأسه، ويجوز إمساك ظروف الخمر والانتفاع بها واستعمالها إذا غسلت وإمساك المحترمة لتصير خلا، وغير المحترمة يجب إراقتها، فلو لم يرقها فتخللت طهرت على الصحيح كما مر.
(و) ثانيهما: (جلد نجس بالموت) ولو من غير مأكول، (فيطهر بدبغه) يعني باندباغه ولو بإلقاء الدابغ عليه بنحو ريح أو إلقائه على الدابغ كذلك. (ظاهره) وهو ما لاقى الدابغ، لقوله (ص): أيما إهاب دبغ فقد طهر رواه مسلم، وفيه وفي البخاري: هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به. (وكذا باطنه) وهو ما لم يلاق الدابغ، (على المشهور) لظاهر الخبرين المتقدمين. والثاني: يقول آلة الدبغ لا تصل إلى الباطن، ودفع بأنها تصل إليه بواسطة الماء أو رطوبة الجلد، فعلى الثاني لا يصلى فيه ولا يباع ولا يستعمل في الشئ الرطب. وأما على الأول فهو كالثوب المتنجس كما سيأتي. وخرج بالجلد الشعر لعدم تأثره بالدبغ، ويؤخذ مما مر من أنه يطهر بالدبغ باطن الجلد أنه لو نتف الشعر بعد الدبغ صار موضعه متنجسا يطهر بالغسل وهو كذلك. قال المصنف: ويعفى عن قليله فيطهر تبعا. واستشكله الزركشي بأن ما لا يتأثر بالدبغ كيف يطهر قليله وأجاب بأن قوله يطهر، أي يعطى حكم الطاهر اه‍. وهذا مأخوذ من قوله ويعفى، وهذا هو الظاهر. وبعضهم وجه كلام المصنف بأنه يطهر تبعا للمشقة، وقال السبكي: الذي اختاره وأفتي به أن الشعر يطهر مطلقا لخبر في صحيح مسلم اه‍. وينجس بالموت جلد نحو الكلب فإنه لا يطهر بالدباغ لأن الحياة في إفادة الطهارة أبلغ من الدبغ، والحياة لا تقيد طهارته. (والدبغ نزع فضوله) وهي مائيته ورطوباته التي يفسده بقاؤها ويطيبه نزعها، بحيث لو تقع في الماء لم يعد إليه النتن والفساد. وذلك إنما يحصل (بحريف) بكسر الحاء المهملة وتشديد الراء: ما يحرف الفم، أي يلذع اللسان بحرافته - قاله الجوهري - كالقرظ والعفص وقشور الرمان والشث بالمثلثة، وهو شجر مر الطعم طيب الريح يدبغ به، والشب بالموحدة من جواهر الأرض معروف يشبه الزاج يدبغ به أيضا، ولا فرق في ذلك بين الطاهر كما مر، والنجس كذرق الطيور. (لا شمس وتراب) وتجميد وتمليح مما لا ينزع الفضول وإن جف الجلد وطابت رائحته، لأن الفضلات لم تزل وإنما جمدت، بدليل أنه لو تقع في الماء عادت إليه العفونة. (ولا يجب الماء في أثنائه) أي
(٨٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 خطبة الكتاب 2
2 كتاب الطهارة 16
3 باب أسباب الحدث 31
4 فصل في آداب الخلاء وفي الاستنجاء 39
5 باب الوضوء 46
6 باب مسح الخف 63
7 باب الغسل 68
8 باب النجاسة 77
9 باب التيمم 86
10 فصل في بيان أركان التيمم وكيفيته وغير ذلك 96
11 باب الحيض وما يذكر معه من الاستحاضة الخ 108
12 فصل إذا رأت المرأة من الدماء الخ 113
13 كتاب الصلاة 120
14 فصل إنما تجب الصلاة على كل مسلم الخ 130
15 فصل الأذان والإقامة سنة 133
16 فصل استقبال القبلة شرط لصلاة القادر الخ 142
17 باب صفة الصلاة 148
18 باب شروط الصلاة 184
19 فصل تبطل الصلاة بالنطق بحرفين الخ 194
20 باب سجود السهو 204
21 باب تسن سجدات التلاوة 214
22 باب صلاة النفل 219
23 كتاب صلاة الجماعة 229
24 فصل في صفات الأئمة 237
25 فصل يذكر فيه بعض شروط الاقتداء وآدابه 245
26 فصل: شرط القدوة أن ينوي المأموم الخ 252
27 فصل تجب متابعة الامام في أفعال الصلاة الخ 255
28 فصل في قطع القدوة وما تنقطع به وما يتبعهما 259
29 باب كيفية صلاة المسافر 262
30 فصل في شروط القصر وما يذكر معه 266
31 فصل في الجمع بين الصلاتين 271
32 باب صلاة الجمعة 276
33 فصل في الأغسال المسنونة في الجمعة وغيرها وما يذكر معها 290
34 فصل في بيان ما تدرك به الجمعة وما لا تدرك به، وجواز الاستخلاف وعدمه 296
35 باب صلاة الخوف 301
36 فصل فيما يجوز لبسه للمحارب وغيره وما لا يجوز 306
37 باب صلاة العيدين 310
38 فصل في التكبير المرسل والمقيد 314
39 باب صلاة الكسوفين 316
40 باب صلاة الاستسقاء 321
41 باب في حكم تارك الصلاة المفروضة على الأعيان 327
42 كتاب الجنائز 329
43 فصل في تكفين الميت وحمله 336
44 فصل في الصلاة على الميت المسلم غير الشهيد 340
45 فصل في دفن الميت وما يتعلق به 351
46 مسائل منثورة 356
47 كتاب الزكاة باب زكاة الحيوان 368
48 فصل إن اتحد نوع الماشية 374
49 باب زكاة النبات 381
50 باب زكاة النقد 389
51 باب زكاة المعدن والركاز والتجارة 394
52 فصل شرط زكاة التجارة الحول والنصاب الخ 397
53 باب زكاة الفطر 401
54 باب من تلزمه الزكاة وما تجب فيه 408
55 فصل في أداء زكاة المال 413
56 فصل في تعجيل الزكاة وما يذكر معه 415
57 كتاب الصيام 420
58 فصل في أركان الصوم 423
59 فصل شرط الصوم الامساك عن الجماع الخ 427
60 فصل شرط الصوم الاسلام والعقل الخ 432
61 فصل في شروط وجوب صوم رمضان 436
62 فصل في فدية الصوم الواجب 438
63 فصل في موجب كفارة الصوم 442
64 باب صوم التطوع 445
65 كتاب الاعتكاف 449
66 فصل في حكم الاعتكاف المنذور 455
67 كتاب الحج 459
68 باب المواقيت 471
69 باب الإحرام 476
70 فصل في ركن الاحرام وما يطلب للمحرم الخ 478
71 باب دخول مكة 482
72 فصل فيما يطلب في الطواف من واجبات وسنن 485
73 فصل فيما يختم به الطواف وبيان كيفية السعي 493
74 فصل في الوقوف بعرفة وما يذكر معه 495
75 فصل في المبيت بمزدلفة والدفع منها وفيما يذكر معها 499
76 فصل في المبيت بمنى ليالي أيام التشريق 505
77 فصل في بيان أركان الحج والعمرة وكيفية أداء النسكين وما يتعلق بذلك 513
78 باب محرمات الإحرام 518
79 باب الإحصار والفوات 532