مغني المحتاج - محمد بن أحمد الشربيني - ج ٤ - الصفحة ١٣٤
قطعه بأمور (بنية) كفر، وذكر النية مزيد على المحرر والشرحين والروضة ليدخل من عزم على الكفر في المستقبل فإنه يكفر حالا، لكن كان ينبغي على هذا التعبير العزم، فقد قال الماوردي: إن النية قصد الشئ مقترنا بفعله، فإن قصده وتراخى عنه فهو عزم وسيأتي في كلام المصنف التعبير بالعزم (أو) قطع الاسلام بسبب (قول كفر أو فعل) مكفر فقوله: قطع جنس يشمل قطع الاسلام وغيره من المعاني. وقوله الاسلام فصل يخرج به قطع غيره من العبادات كالصلاة والصوم والحج فلا يكون ذلك كفرا، وقوله بنية إلخ أشار به إلى أن القطع يكون بأحد هذه الأمور الثلاثة، وأورد عليه أن الردة تحصل وإن لم يوجد قطع: كما لو تردد في أنه يخرج من الاسلام أو يبقى فإنه ردة على ما سيأتي، وكذا من علق بين مرتدين فإنه مرتد على الأصح عند المصنف. وهذا الثاني غير وارد فإنه لم يرتد، وإنما ألحق بالمرتد حكما ولا يرد الكافر المنتقل من دين إلى آخر وإن كان لا يقبل منه إلا الاسلام لأنه لا يسمى مرتدا شرعا وإنما يعطى حكم المرتد. ثم قسم القول ثلاثة أقسام بقوله: (سواء قاله استهزاء أو عنادا أو اعتقادا) لقوله تعالى: * (قل بالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفر تم بعد إيمانكم) * وكان الأولى تأخير القول في كلامه عن الفعل، لأن التقسيم فيه وخرج بذلك من سبق لسانه إلى الكفر، أو أكره عليه، فإنه لا يكون مرتدا، وكذا الكلمات الصادرة من الأولياء في حال غيبتهم، ففي أمالي الشيخ عز الدين بن عبد السلام أن الولي إذا قال: أنا الله، عزر التعزير الشرعي، ولا ينافي الولاية لأنهم غير معصومين، وينافي هذا القول القشيري: من شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور مخادع، فالولي الذي توالت أفعاله على الموافقة. وقد سئل ابن سريج عن الحسين الحلاج لما قال: أنا الحق فتوقف فيه وقال: هذا رجل خفي علي أمره وما أقول فيه شيئا، وأفتى بكفره بذلك القاضي أبو عمرو الجنيد وفقهاء عصره، وأمر المقتدر بضربه ألف سوط فإن مات، وإلا ضرب ألفا أخرى، فإن لم يمت قطعت يداه ورجلاه ثم يضرب عنقه، ففعل به جميع ذلك لست بقين من ذي الحجة سنة تسع وثلاثمائة، والناس مع ذلك مختلفون في أمره، فمنهم من يبالغ في تعظيمه، ومنهم من يكفره لأنه قتل بسيف الشرع، وجرى ابن المقري تبعا لغيره على كفر من شك في كفر طائفة ابن عربي الذين ظاهر كلامهم عند غيرهم الاتحاد وهو بحسب ما فهموه من ظاهر كلامهم، ولكن كلام هؤلاء جار على اصطلاحهم، إذ اللفظ المصطلح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحي مجاز في غيره، والمعتقد منهم لمعناه معقد لمعنى صحيح، وأما من اعتقد ظاهره من جهلة الصوفية فإنه يعرف، فإن استمر على ذلك بعد تعريفه صار كافرا، وسيأتي الكلام على هذا أيضا في كتاب السير إن شاء الله تعالى، وخرج أيضا ما إذا حكى الشاهد لفظ الكفر، لكن الغزالي ذكر في الاحياء أنه ليس له حكايته إلا في مجلس الحكم فليتفطن له. فإن قيل: قوله أو قول كفر فيه دور، فإن الردة أحد نوعي الكفر فكيف يقول أو قول كفر؟ أجيب بأن المراد بالكفر في أحد الكفر الأصلي.
تنبيه: كان الأولى للمصنف أن يقول يقول بنية كفر أو قول أو فعل ليكون حذف لفظة كفر من الآخر لدلالة الأول عليه، وتعبيره لا يتناول كفر المنافق فإنه لم يسبق له إسلام صحيح (فمن نفى) أي أنكر الصانع وهو الله سبحانه، وهم الدهرية الزاعمون أن العالم لم يزل موجودا كذلك بلا صانع. فإن قيل: إطلاق (الصانع) على الله تعالى لم يرد في الأسماء الحسنى، وإنما ذلك من عبارات المتكلمين المجوزين الاطلاق بالاشتقاق والراجح أن أسماءه تعالى توقيفية.
أجيب بأن البيهقي رواه في الأسماء والصفات وقال تعالى * (صنع الله الذي أتقن كل شئ) * وقال (ص) إن الله صنع كل صانع وصنعته رواه الحاكم في أوائل المستدرك من حديث حذيفة وقال: إنه صحيح على شرط مسلم. ونفي ما هو ثابت لله تعالى بالاجماع كالعلم والقدرة أو أثبت ما هو منفي عنه بالاجماع كحدوثه أو قدم العالم كما قاله الفلاسفة، قال المتولي: أو أثبت له لونا أو اتصالا أو انفصالا.
تنبيه: اختلف في كفر المجسمة. قال في المهمات: المشهور عدم كفرهم، وجزم في شرح المهذب في صفة
(١٣٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 كتاب الجراح 2
2 فصل: في الجناية من اثنين وما يذكر معها 12
3 فصل: في أركان القصاص في النفس، وهي ثلاثة الخ 13
4 فصل: في تغير حال المجروح من وقت الجرح إلى الموت الخ 23
5 فصل: في شروط القصاص في الأطراف والجراحات والمعاني، وفي إسقاط الشجاج الخ 25
6 باب كيفية القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه 30
7 فصل: في اختلاف ولي الدم والجاني 38
8 فصل: في مستحق القصاص ومستوفيه 39
9 فصل: في موجب العمد، وفي العفو 48
10 كتاب الديات 53
11 فصل: في موجب ما دون النفس، وهو ثلاثة أقسام الخ 58
12 فصل: تجب الحكومة فيما لا مقدر فيه الخ 77
13 باب موجبات الدية والعاقلة والكفارة 80
14 فصل: فيما يوجب الشركة في الضمان وما يذكر معه 89
15 فصل: في العاقلة، وكيفية تأجيل ما تحمله 95
16 فصل: في جناية الرقيق 100
17 فصل: في دية الجنين 103
18 فصل: في كفارة القتل التي هي من موجباته 107
19 كتاب دعوى الدم والقسامة 109
20 فصل: فيما يثبت موجب القصاص وموجب المال من إقرار وشهادة 118
21 كتاب البغاة 123
22 فصل: في شروط الإمام الأعظم الخ 129
23 كتاب الردة 133
24 كتاب الزنا 143
25 كتاب حد القذف 155
26 كتاب قطع السرقة 158
27 فصل: فيما لا يمنع القطع وما يمنعه الخ 170
28 فصل: في شروط السارق الخ 174
29 باب قاطع الطريق 180
30 فصل: في اجتماع عقوبات في غير قاطع الطريق 184
31 كتاب الأشربة 186
32 فصل: في التعزير 191
33 كتاب الصيال وضمان الولاة 194
34 فصل: في ضمان ما تتلفه البهائم 204
35 كتاب السير 208
36 فصل: فيما يكره من الغزو الخ 220
37 فصل: في حكم ما يؤخذ من أهل الحرب 227
38 فصل: في الأمان 236
39 كتاب الجزية 242
40 فصل: في أقل الجزية دينار لكل سنة 248
41 فصل: في أحكام عقد الجزية الزائدة على ما مر 253
42 باب الهدنة 260
43 كتاب الصيد والذبائح 265
44 فصل: يحل ذبح حيوان مقدور عليه الخ 273
45 فصل: فيما يملك به الصيد وما يذكر معه 278
46 كتاب الأضحية 282
47 فصل: في العقيقة 293
48 كتاب الأطعمة 297
49 كتاب المسابقة والمناضلة 311
50 كتاب الايمان 320
51 فصل: في صفة كفارة اليمين 327
52 فصل: في الحلف على السكنى والمساكنة الخ 329
53 فصل: في الحلف على أكل أو شرب الخ 335
54 فصل: في مسائل منثورة 342
55 فصل: في الحلف على أن لا يفعل كذا 350
56 كتاب النذر 354
57 فصل: في نذر حج أو عمرة أو هدي أو غيرها 362
58 كتاب القضاء 371
59 فصل: فيما يعرض للقاضي مما يقتضي عزله الخ 380
60 فصل: في آداب القضاء وغيرها 385
61 فصل: في التسوية بين الخصمين 400
62 باب القضاء على الغائب 406
63 فصل: في بيان الدعوى بعين غائبة أو غيرها الخ 411
64 فصل: في ضابط الغائب المحكوم عليه الخ 414
65 باب القسمة 418
66 كتاب الشهادات 426
67 فصل: في بيان ما يعتبر فيه شهادة الرجال الخ 440
68 فصل: في تحمل الشهادة وأدائها وكتابة الصك 450
69 فصل: في جواز تحمل الشهادة على الشهادة وأدائها 452
70 فصل: في رجوع الشهود عن شهادتهم 456
71 كتاب الدعوى والبينات 461
72 فصل: فيما يتعلق بجواب المدعى عليه 468
73 فصل: في كيفية الحلف والتغليظ فيه الخ 472
74 فصل: في تعارض البينتين مع شخصين 480
75 فصل: في اختلاف المتداعيين في العقود وغيرها 485
76 فصل: في شروط القائف 488
77 كتاب العتق 491
78 فصل: في العتق بالبعضية 499
79 فصل: في الاعتاق في مرض الموت الخ 502
80 فصل: في الولاء 506
81 كتاب التدبير 509
82 فصل: في حكم حمل المدبرة والمعلق عتقها الخ 513
83 كتاب الكتابة 516
84 فصل: فيما يلزم السيد بعد الكتابة الخ 521
85 فصل: في لزوم الكتابة وجوازها الخ 528
86 فصل: في مشاركة الكتابة الفاسدة الصحيحة ومخالفتها لها 532
87 كتاب أمهات الأولاد 538
88 التعريف بالامام النووي 545
89 التعريف بالامام الشربيني الخطيب 548