مغني المحتاج - محمد بن أحمد الشربيني - ج ٤ - الصفحة ٣٢٦
الكتاب لو حلف على فعل واجب أو ترك حرام أطاع باليمين وعصى بالحنث وعليه به الكفارة. (أو) حلف على (ترك مندوب) كسنة الضحى (أو) على (فعل مكروه) كالتفاته بوجهه في الصلاة (سن حنثه وعليه الكفارة) لأن اليمين والإقامة عليها مكروهان، لقوله تعالى: * (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة) * الآية نزلت في الصديق رضي الله عنه وقد حلف أن لا يبر مسطحا، فقال أبو بكر بلى رب وبره، وأجيب عن حديث الاعرابي حيث لم ينكر عليه (ص) في قوله: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه بأن يمينه تضمنت طاعة وهو امتثال الامر، ويحتمل أنه سبق لسانه إلى قوله لا أزيد فكان من لغو اليمين.
تنبيه: اختلف فيما لو حلف لا يأكل طيبا ولا يلبس ناعما، فقيل مكروه لقوله تعالى: * (قل من حرم زينة الله) * الآية، وقيل: طاعة لما عرف من اختيار السلف خشونة العيش، وقيل: يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس وقصودهم وفراغهم للعبادة واشتغالهم بالضيق والسعة، وهذا كما قال الرافعي الصواب. (أو) على (ترك مباح) معين (أو فعله) كدخول دار وأكل طعام ولبس ثوب (فالأفضل) له (ترك الحنث) بل يسن لما فيه من تعظيم الله تعالى وقد قال تعالى: * (ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها) * (وقيل) الأفضل له (الحنث) لينتفع الفقراء بالكفارة، قال الأذرعي: ويشبه أن محل الخلاف ما إذا لم يكن في ذلك أذى للغير، فإن كان بأن حلف لا يدخل دار أحد أبويه أو أقاربه أو صديق يكره ذلك فالأفضل الحنث قطعا، وعقد اليمين على ذلك مكروه بلا شك، وكذا حكم الاكل واللبس.
تنبيه: من حلف على فعل مندوب أو ترك مكروه وكره حنثه وعليه بالحنث كفارة، وقد علم بما تقرر أن اليمين لا تغير حال المحلوف عليه عما كان وجوبا وتحريما وندبا وكراهة إباحة، لكن قول المتن في المباح: الأفضل ترك الحنث فيه تغير للمحلوف عليه، ولذلك رجح بعضهم أن فيه التخيير بين الحنث وعدمه فيكون جاريا على القاعدة.
(وله) أي الحالف (تقديم كفارة بغير صوم) من عتق أو إطعام أو كسوة (على حنث جائز) واجب أو مندوب أو مباح لقوله (ص): فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
ولأنه حق مالي وجب بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحدهما كالزكاة قبل الحول، لكن الأولى أن لا يكفر حتى يحنث خروجا من خلاف أبي حنيفة، واحترز بقوله على حنث عن تقديمها على اليمين فإنه يمتنع بلا خلاف، وكذا مقارنتها لليمين، كما لو وكل من يعتق عنها مع شروعه في اليمين. أما الصوم فيمتنع تقديمه على الحنث على الصحيح، لأنه عبادة بدنية فلم يجز تقديمها على وقت وجوبها بغير حاجة كصوم رمضان، واحترز بغير حاجة عن الجمع بين الصلاتين (قيل:
و) له تقديمها على حنث (حرام) كالحنث بترك واجب أو فعل حرام (قلت: هذا) الوجه (أصح، والله أعلم) من مقابله وهو المنع الذي جرى عليه في المحرر، وعلله بأنه يتطرق به لارتكاب محظور، والتعجيل رخصة فلا تليق بالعاصي، لأن الحظر في الفعل ليس من حنث اليمين، لأن المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها فالتكفير لا يتعلق به استباحة.
تنبيه: إذا قدم الكفارة على الحنث ولم يحنث استرجع كالزكاة، قاله الدارمي. ولو قدم العتق اشترط في إجزائه بقاء العتيق حيا مسلما إلى الحنث، فلو مات أو ارتد قبله لم يجزه، ولو أعتق عبدا عن كفارته ومات قبل حنثه كأن عتقه تطوعا كما صرح به البغوي في فتاويه.
فروع: لو قال: أعتقت عبدي عن كفارتي إن حنثت فحنث أجزأه، وإن قال: إن حلفت لم يجزه، ولو قال: إن حنثت غدا فعبدي حر عن كفارتي، فإن حنث غدا عتق وأجزأه عنها، وإلا فلا. ولو قال: أعتقته عن كفارتي إن حنثت فبان حانثا عتق وأجزأه عنها، وإلا فلا. نعم إن حنث بعد ذلك أجزأه عنها، ولو قال: إن حلفت وحنثت فبان
(٣٢٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 كتاب الجراح 2
2 فصل: في الجناية من اثنين وما يذكر معها 12
3 فصل: في أركان القصاص في النفس، وهي ثلاثة الخ 13
4 فصل: في تغير حال المجروح من وقت الجرح إلى الموت الخ 23
5 فصل: في شروط القصاص في الأطراف والجراحات والمعاني، وفي إسقاط الشجاج الخ 25
6 باب كيفية القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه 30
7 فصل: في اختلاف ولي الدم والجاني 38
8 فصل: في مستحق القصاص ومستوفيه 39
9 فصل: في موجب العمد، وفي العفو 48
10 كتاب الديات 53
11 فصل: في موجب ما دون النفس، وهو ثلاثة أقسام الخ 58
12 فصل: تجب الحكومة فيما لا مقدر فيه الخ 77
13 باب موجبات الدية والعاقلة والكفارة 80
14 فصل: فيما يوجب الشركة في الضمان وما يذكر معه 89
15 فصل: في العاقلة، وكيفية تأجيل ما تحمله 95
16 فصل: في جناية الرقيق 100
17 فصل: في دية الجنين 103
18 فصل: في كفارة القتل التي هي من موجباته 107
19 كتاب دعوى الدم والقسامة 109
20 فصل: فيما يثبت موجب القصاص وموجب المال من إقرار وشهادة 118
21 كتاب البغاة 123
22 فصل: في شروط الإمام الأعظم الخ 129
23 كتاب الردة 133
24 كتاب الزنا 143
25 كتاب حد القذف 155
26 كتاب قطع السرقة 158
27 فصل: فيما لا يمنع القطع وما يمنعه الخ 170
28 فصل: في شروط السارق الخ 174
29 باب قاطع الطريق 180
30 فصل: في اجتماع عقوبات في غير قاطع الطريق 184
31 كتاب الأشربة 186
32 فصل: في التعزير 191
33 كتاب الصيال وضمان الولاة 194
34 فصل: في ضمان ما تتلفه البهائم 204
35 كتاب السير 208
36 فصل: فيما يكره من الغزو الخ 220
37 فصل: في حكم ما يؤخذ من أهل الحرب 227
38 فصل: في الأمان 236
39 كتاب الجزية 242
40 فصل: في أقل الجزية دينار لكل سنة 248
41 فصل: في أحكام عقد الجزية الزائدة على ما مر 253
42 باب الهدنة 260
43 كتاب الصيد والذبائح 265
44 فصل: يحل ذبح حيوان مقدور عليه الخ 273
45 فصل: فيما يملك به الصيد وما يذكر معه 278
46 كتاب الأضحية 282
47 فصل: في العقيقة 293
48 كتاب الأطعمة 297
49 كتاب المسابقة والمناضلة 311
50 كتاب الايمان 320
51 فصل: في صفة كفارة اليمين 327
52 فصل: في الحلف على السكنى والمساكنة الخ 329
53 فصل: في الحلف على أكل أو شرب الخ 335
54 فصل: في مسائل منثورة 342
55 فصل: في الحلف على أن لا يفعل كذا 350
56 كتاب النذر 354
57 فصل: في نذر حج أو عمرة أو هدي أو غيرها 362
58 كتاب القضاء 371
59 فصل: فيما يعرض للقاضي مما يقتضي عزله الخ 380
60 فصل: في آداب القضاء وغيرها 385
61 فصل: في التسوية بين الخصمين 400
62 باب القضاء على الغائب 406
63 فصل: في بيان الدعوى بعين غائبة أو غيرها الخ 411
64 فصل: في ضابط الغائب المحكوم عليه الخ 414
65 باب القسمة 418
66 كتاب الشهادات 426
67 فصل: في بيان ما يعتبر فيه شهادة الرجال الخ 440
68 فصل: في تحمل الشهادة وأدائها وكتابة الصك 450
69 فصل: في جواز تحمل الشهادة على الشهادة وأدائها 452
70 فصل: في رجوع الشهود عن شهادتهم 456
71 كتاب الدعوى والبينات 461
72 فصل: فيما يتعلق بجواب المدعى عليه 468
73 فصل: في كيفية الحلف والتغليظ فيه الخ 472
74 فصل: في تعارض البينتين مع شخصين 480
75 فصل: في اختلاف المتداعيين في العقود وغيرها 485
76 فصل: في شروط القائف 488
77 كتاب العتق 491
78 فصل: في العتق بالبعضية 499
79 فصل: في الاعتاق في مرض الموت الخ 502
80 فصل: في الولاء 506
81 كتاب التدبير 509
82 فصل: في حكم حمل المدبرة والمعلق عتقها الخ 513
83 كتاب الكتابة 516
84 فصل: فيما يلزم السيد بعد الكتابة الخ 521
85 فصل: في لزوم الكتابة وجوازها الخ 528
86 فصل: في مشاركة الكتابة الفاسدة الصحيحة ومخالفتها لها 532
87 كتاب أمهات الأولاد 538
88 التعريف بالامام النووي 545
89 التعريف بالامام الشربيني الخطيب 548