الذر المخرج من الطينة، ويمكن أن يكون المراد بالظل هنا هو الأول ولكن لما كان تصور عالم المجر الصرف صعبا في أكثر الأذهان (1) في عدم الكثافة إذ لا كثافة في المجرد الصرف كما لا كثافة في الظل، ويمكن به ان يراد به عالم الذر المبائن لعالم الأجسام الكثيفة، وهو يحكى عن هذا العالم ويشبهه وليس منه فهو ظل بالنسبة إليه وهذا أنسب بقوله (عليه السلام) «ثم بعثهم في الظلال» فإنه يفيد ظاهرا أن بعثهم فيه بعد خلقهم من طينة الجنة وطينة النار، وحمله على الأول يحتاج إلى تكلف بعيد فليتأمل.
وأعلم: أن الأرواح المحبوبة الكاملة الهادية أعنى أرواح خاتم الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) خلقت قبل أرواح سائر البشر وطينتهم كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبة «ألا أن الذرية أفنان أنا شجرتها، ودوحة أنا ساقتها، وإني من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء، كنا أظلالا تحت العرش قبل البشر وقبل خلق الطينة التي كان منها البشر أشباحا عالية، لا أجساما نامية، وفيه إشارة إلى أن الكمالات التي حصلت لنفسه القدسية بواسطة كمالات نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فشبه ذلك بصدور الضوء من الضوء كشعلة مصباح اقتبست من مصباح آخر ومن العادة في عرف المجردين تمثيل النفوس الشريفة بالأنوار والأضواء لمكان المشابهة بينهما في حصول الهداية عنها مع لطفها وصفائها وإلى كونهم أرواحا قدسية موجودة تحت رحمة الحق أو علمه قبل جميع الخلائق وعبر عن نفوسهم الطاهرة بالاظلال على سبيل الاستعارة للتنبيه على أنهم مرجعا لجميع الخلق بعد وجودهم كالاظلال.
قوله: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) أي ليقولن خلقنا الله أو الله خلقنا على اختلاف في تقديم المحذوف وتأخيره، والمشهور الأول يعني لو سألتهم عن ذلك لاضطروا إلى الجواب المذكور بمقتضى العهد والميثاق.