مقتضى عموم التعليل وجوب التبين في كل خبر لا يؤمن من الوقوع في الندم من العمل به وإن كان المخبر عادلا.
إذ فيه: أن العادل الذي لا يؤمن من الوقوع في الندم من العمل بخبره هو خصوص غير الضابط، وهو خارج عن محل الكلام، وأما غيره فالندم مأمون معه وإن لم يؤمن معه فوت الواقع.
ثم إنه لأجل ما ذكرنا من قصور التعليل عن مورد المفهوم كان عموم التعليل آبيا عن التخصيص عرفا، ولو حمل على مطلق عدم العلم بالواقع لم يكن آبيا عنه، لتعارف الطرق غير العلمية عند العقلاء.
هذا كله بناء على حمل الجهالة على ما يقابل العلم، وأما بناء على حملها على ما يناسب الطيش والحمق والسفه، ويقابل التعقل والحكمة والاتزان فالامر أظهر.
ولعل المعنى الثاني هو الأشهر في الاستعمال في الكتاب والسنة وغيرهما، فقد استعمل الجهل ومشتقاته في ما يزيد على عشرين موضعا من الكتاب الكريم كلها في المعنى المذكور أو قابلة للحمل عليه، واشتهر استعماله في ذلك في السنة الشريفة، كما يظهر بملاحظة كتاب العقل والجهل من الكافي وغيره، وكذا الحال في استعمالات أهل اللغة.
بل ذكر بعض المعاصرين رحمه الله في أصوله أن تتبع الاستعمالات في أصول اللغة يشهد بأن تحديد الجهل بخصوص ما يقابل العلم اصطلاح جديد للمسلمين في عهد نقل الفلسفة اليونانية إلى العربية، حيث استدعى تحديد معاني كثير من الألفاظ وكسبها إطارا يناسب الأفكار الفلسفية، والا فالجهل في أصل اللغة يراد به المعنى الأول الذي قد يلتقي مع المعنى الجديد.
وما ذكره وإن لم يتضح بنحو يقتضي الجزم إلا أنه قريب جدا بالنظر للاستعمالات.