السين في الكل، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين في هذه، والتي في البقرة، والتي في سورة محمد في قوله: * (وتدعوا إلى السلم) * وقرأ ابن عامر بكسر السين في هذه التي في البقرة وحدها وبفتح السين في الأنفال، وفي سورة محمد، فذهب ذاهبون إلى أنهما لغتان بالفتح والكسر، مثل: رطل ورطل وجسر وجسر، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام.
المسألة الثانية: أصل هذه الكلمة من الإنقياد، قال الله تعالى: * (إذا قال له ربه أسلم قال أسلمت) * (البقرة: 131) والإسلام إنما سمي إسلاما لهذا المعنى، وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضا راجع إلى هذا المعنى لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه، قال أبو عبيدة: وفيه لغات ثلاث: السلم، والسلم، والسلم.
المسألة الثالثة: في الآية إشكال، وهو أن كثيرا من المفسرين حملوا السلم على الإسلام، فيصير تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في الإسلام، والإيمان هو الإسلام، ومعلوم أن ذلك غير جائز، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون وجوها في تأويل هذه الآية:
أحدها: أن المراد بالآية المنافقون، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، أي آثار تزيينه وغروره في الإقامة على النفاق، ومن قال بهذا التأويل احتج على صحته بأن هذه الآية إنما وردت عقيب ما مضى من ذكر المنافقين وهو قوله: * (ومن الناس من يعجبك قوله) * الآية فلما وصف المنافق بما ذكر دعا في هذه الآية إلى الإيمان بالقلب وترك النفاق.
وثانيها: أن هذه الآية نزلت في طائفة من مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وذلك لأنهم حين آمنوا بالنبي عليه السلام أقاموا بعده على تعظيم شرائع موسى، فعظموا السبت، وكرهوا لحوم الإبل وألبانها، وكانوا يقولون: ترك هذه الأشياء مباح في الإسلام، وواجب في التوراة، فنحن نتركها احتياطا فكره الله تعالى ذلك منهم وأمرهم أن يدخلوا في السلم كافة، أي في شرائع الإسلام كافة، ولا يتمسكوا بشئ من أحكام التوراة اعتقادا له وعملا به، لأنها صارت منسوخة * (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) * في التمسك بأحكام التوراة بعد أن عرفتم أنها صارت منسوخة، والقائلون بهذا القول جعلوا قوله: * (كافة) * من وصف السلم، كأنه قيل: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام اعتقادا وعملا.
وثالثها: أن يكون هذا الخطاب واقعا على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبي عليه السلام فقوله: * (يا أيها الذين آمنوا) * أي بالكتاب المتقدم * (ادخلوا في السلم كافة) * أي أكملوا طاعتكم في الإيمان وذلك أن تؤمنوا بجميع أنبيائه وكتبه فأدخلوا بإيمانكم بمحمد عليه السلام وبكتابه في السلم على التمام،