تفسير ابن كثير - ابن كثير - ج ٤ - الصفحة ٣٦٧
" وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون " قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا " إلى آخرها يقول لو أني أنزلت هذا القران على جبل حملته إياه لتصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع ثم قال تعالى " وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون " وكذا قال قتادة وابن جرير. وقد ثبت في الحديث المتواتر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عمل له المنبر وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد فلما وضع المنبر أول ما وضع وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليخطب فجاوز الجذع إلى نحو المنبر فعند ذلك حن الجذع وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يسكت لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده ففي بعض روايات هذا الحديث قال الحسن البصري بعد إيراده فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجذع وهكذا هذه الآية الكريمة إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته لخشعت وتصدعت من خشيته فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم؟ وقد قال تعالى " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى " الآية وقد تقدم أن معنى ذلك أي لكان هذا القرآن وقد قال تعالى " وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله " ثم قال تعالى (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم) أخبر تعالى أنه الذي لا إله إلا هو فلا رب غيره ولا إله للوجود سواه وكل ما يعبد من دونه فباطل وأنه عالم الغيب والشهادة أي يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا فلا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء من جليل وحقير وصغير وكبير حتى الذر في الظلمات. وقوله تعالى " هو الرحمن الرحيم " قد تقدم الكلام على ذلك في أول التفسير بما أغنى عن إعادته ههنا والمراد أنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما وقد قال تعالى " ورحمتي وسعت كل شئ " وقال تعالى " كتب ربكم على نفسه الرحمة " وقال تعالى " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ".
ثم قال تعالى " هو الله الذي لا إله إلا هو الملك " أي المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة وقوله تعالى " القدوس " قال وهب بن منبه أي الطاهر وقال مجاهد وقتادة أي المبارك وقال ابن جريج تقدسه الملائكة الكرام " السلام " أي من جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله وقوله تعالى " المؤمن " قال الضحاك عن ابن عباس أي أمن خلقه من أن يظلمهم وقال قتادة أمن بقوله أنه حق وقال ابن زيد صدق عباده المؤمنين في إيمانهم به. وقوله تعالى " المهيمن " قال ابن عباس وغير واحد أي الشاهد على خلقه بأعمالهم بمعنى هو رقيب عليهم كقوله " والله على كل شئ شهيد " وقوله " ثم الله شهيد على ما يفعلون " وقوله " أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت " الآية. وقوله تعالى " العزيز " أي الذي قد عز كل شئ فقهره وغلب الأشياء فلا ينال جنابه لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه ولهذا قال تعالى " الجبار المتكبر " أي الذي لا تليق الجبرية إلا له ولا التكبر إلا لعظمته كما تقدم في الصحيح " العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته " وقال قتادة: الجبار الذي جبر خلقه على ما يشاء وقال ابن جرير الجبار المصلح أمور خلقه المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم وقال قتادة المتكبر يعني عن كل سوء ثم قال تعالى " سبحان الله عما يشركون " وقوله تعالى " هو الله الخالق البارئ المصور " الخلق التقدير والبرء هو الفري وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود وليس كل من قدر شيئا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل قال الشاعر يمدح آخر:
ولانت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري أي أنت تنفذ ما خلقت أي قدرت بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريد فالخلق التقدير والفري التنفيذ ومنه يقال
(٣٦٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 تفسير سورة الصافات 3
2 تحطيم الأصنام 14
3 الذبيح إسماعيل عليه السلام 16
4 تفسير سورة ص 29
5 تسبيح الجبال والطير مع سيدنا داود 32
6 تفسير سورة الزمر 48
7 ضرب الأمثال في القرآن 56
8 الحث على التوبة 63
9 تفسير قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره 67
10 النفخ في الصور 69
11 دخول الأشقياء النار 70
12 دخول المتقين الجنة 71
13 ذكر سعة أبواب الجنة 73
14 تفسير سورة المؤمن 75
15 استحباب الدعاء للمؤمنين السابقين 77
16 الامر باخلاص الدعاء لله وحده 79
17 إرسال سيدنا يوسف إلى أهل مصر 85
18 نصيحة مؤمن آل فرعون 87
19 تفسير سورة فصلت 97
20 شهادة الجوارح على الانسان 103
21 فضل الداعي إلى الله 108
22 تفسير سورة الشورى 114
23 تفسير سورة الزخرف 132
24 تفسير سورة الدخان 148
25 تفسير سورة الجاثية 159
26 تفسير سورة الأحقاف 165
27 وفد الجن الذين استمعوا القرآن 175
28 تفسير سورة محمد صلى الله عليه وسلم 185
29 تفسير سورة الفتح 196
30 ذكر سبب البيعة 200
31 فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم 208
32 قصة صلح الحديبية 209
33 تفسير سورة الحجرات 220
34 تفسير سورة ق 235
35 تفسير سورة الذاريات 247
36 تفسير سورة الطور 255
37 تفسير سورة النجم 264
38 تفسير سورة اقتربت الساعة 279
39 تفسير سورة الرحمن 289
40 تفسير سورة الواقعة 302
41 تفسير سورة الحديد 323
42 تفسير سورة المجادلة 340
43 تفسير سورة الحشر 353
44 أسماء الله الحسنى 366
45 تفسير سورة الممتحنة 368
46 مبايعة النساء 376
47 تفسير سورة الصف 381
48 تفسير سورة الجمعة 387
49 تفسير سورة المنافقين 393
50 تفسير سورة التغابن 398
51 تفسير سورة الطلاق 403
52 تفسير سورة التحريم 411
53 تفسير سورة الملك 421
54 تفسير سورة ن 427
55 تفسير سورة الحاقة 439
56 تفسير سورة المعارج 446
57 تفسير سورة نوح 452
58 تفسير سورة الجن 456
59 تفسير سورة المزمل 462
60 تفسير سورة المدثر 469
61 تفسير سورة القيامة 477
62 تفسير سورة الانسان 483
63 تفسير سورة المرسلات 488
64 تفسير سورة النبأ 492
65 تفسير سورة النازعات 497
66 تفسير سورة عبس 501
67 تفسير سورة التكوير 506
68 تفسير سورة الانفطار 513
69 تفسير سورة المطففين 515
70 تفسير سورة الانشقاق 520
71 تفسير سورة البروج 524
72 تفسير سورة الطارق 531
73 تفسير سورة الاعلى 532
74 تفسير سورة الغاشية 536
75 تفسير سورة الفجر 539
76 تفسير سورة البلد 546
77 تفسير سورة الشمس 550
78 تفسير سورة الليل 553
79 تفسير سورة الضحى 557
80 تفسير سورة الانشراح 560
81 تفسير سورة التين 562
82 تفسير سورة العلق 564
83 تفسير سورة القدر 566
84 تفسير سورة البينة 573
85 تفسير سورة الزلزلة 575
86 تفسير سورة العاديات 578
87 تفسير سورة القارعة 580
88 تفسير سورة التكاثر 581
89 تفسير سورة العصر 585
90 تفسير سورة الهمزة 586
91 تفسير سورة الفيل 586
92 تفسير سورة قريش 591
93 تفسير سورة الماعون 592
94 تفسير سورة الكوثر 595
95 تفسير سورة الكافرون 598
96 تفسير سورة النصر 600
97 تفسير سورة المسد 602
98 تفسير سورة الاخلاص 604
99 تفسير سورة الفلق 610
100 تفسير سورة الناس 615