الكتاب المقدس - مجمع الكنائس الشرقية - الصفحة ١٢٤
ذلك بعض الألفاظ اللاتينية في صيغة يونانية وبعض التركيبات اللاتينية. ويقدر أن الكتاب موجه إلى غير اليهود في خارج فلسطين، لما يظهر فيه من الاهتمام بشرح العادات اليهودية (7 / 3 - 4 و 14 / 12 و 15 / 42) وترجمة الألفاظ الآرامية والتشديد على أهمية الإنجيل للوثنيين (7 / 27 و 10 / 12 و 11 / 17 و 13 / 10). أما الإلحاح في ضرورة اتباع يسوع وحمل الصليب، فذلك أمر كان موافقا موافقة خاصة لحاضر جماعة يهزها اضطهاد نيرون. ولما كان مرقس ينبئ بخراب الهيكل من غير أن يلمح تلميحا واضحا إلى النحو الذي جرت عليه الأحداث، فما من شئ يحول دون القول أن الإنجيل الثاني ألف بين السنة 65 والسنة 70.
أما صلة الكتاب بتعليم بطرس فهي أمر عسير التحديد. إن عبارة بابياس (لسان حال بطرس) غير واضحة. ولكن المكان الذي يشغله بطرس يدل على كلام شاهد عيان. ولا يبرز من جماعة الاثني عشر سوى يعقوب ويوحنا، كأنهما كفيلان لشهادة بطرس. ومع ذلك فلا يكال له المديح، وإذا لم يخص بأحسن مقام فليس في ذلك دليل على حملة عليه.
إن مسألة مراجع مرقس تبقى هي هي بأسرها إذا. فالنقاد يتخيلونه على وجه يختلفون فيه على قدر ما يجعلون لمرقس من شأن، عندما يقارنونه بمتى ولوقا، فيرى بعضهم أنه الأصل الذي استندا إليه، ويرى غيرهم أن هناك، قبل مرقس، مجملا أولا فيه تقليد على يسوع. ومهما يكن من أمر فإنه يستشف من تأليف إنجيل مرقس أن هناك مرحلة سابقة للتقليد كان الناس يتناقلون فيها أعمال يسوع وأقواله بمعزل عن أي عرض شامل لحياته أو لتعليمه. ولا شك أن رواية الآلام بدت في البدء سلسلة روائية فيها عدة حلقات. ومن الممكن أن بعض المجموعات الأولية، ك‍ " يوم في كفرناحوم " (1 / 21 - 38) أو مناظرات 2 - 3 / 6 قد وضعت في وقت مبكر وكانت من مراجع مرقس.
وهناك سؤال لم يلق جوابا: كيف كانت خاتمة الكتاب؟ من المسلم به على العموم أن الخاتمة كما هي الآن (16 / 9 - 20) قد أضيفت لتخفيف ما في نهاية كتاب من توقف فجائي في الآية 8. ولكننا لن نعرف أبدا هل فقدت خاتمة الكتاب الأصلية أم هل رأى مرقس أن الإشارة إلى تقليد الترائيات في الجليل في الآية لا تكفي لاختتام روايته.
[أهمية الكتاب] كتاب مرقس هو في نظرنا أول نموذج معروف للفن الأدبي المسمى إنجيلا. كثيرا ما فضلت عليه في استعمال الكنيسة المجموعات اللاحقة والأوسع التي أنشأها متى ولوقا. وقد أعيدت إليه قيمته بفضل الدراسات الأدبية والتاريخية في القرن التاسع عشر والعشرين. إن النقاد تخلوا اليوم عن وضع سيرة ليسوع معتمدين على فقرات مرقس وحدها، ومع ذلك ففي خشونته وعفويته ووفرة عباراته السامية وطابعه البدائي في التفكير اللاهوتي دليل على قدم المواد التي استعملها. والأشخاص والأماكن المذكورة مأخوذة من تقاليد قديمة. إن تعاليم يسوع والتشديد على اقتراب ملكوت الله والأمثال والمناظرات والتعزيمات ليس لها موقع تاريخي أصلي إلا في حياة يسوع في فلسطين. ولا تصدر الذكريات مباشرة عن ذاكرة أفراد فأصلها يعود إلى شهادة التلاميذ الأولين، بعد أن صيغت تلبية لحاجات الوعظ أو التعليم المسيحي أو الرد على الخصوم أو الطقس في الكنائس.
(١٢٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة