ولا بالانحلال الكلى المحكم بالنهاية من لدن البداءة فتعين الأول وحينئذ إما أن يكون بالمناسب أو بالمضاد لا سبيل إلى الأول على الاطلاق وإلا لجاز تدبير الصفراء بنحو العسل والبلغم بنحو اللبن ولا نقض بالخواص لأنها واردة على غير الطبائع وسيأتى كونها معللة وإلا فتعين الثاني وعليه يلزم عكس ما قالوه في التعليل، والذي أراه أن اختلاف هذه الثلاثة مع الأعضاء راجع أولا إلى منافيها وقد عرفت أن الأعصاب للحس والحركة فما استغنى عنها كالشحم والعظام فلا حاجة إلى الكثير منها وإن الأوردة لجلب الدم والاخلاط للتغذية وجميع الأعضاء محتاجة إلى ذلك فتكون على هذا متساوية الورود إليه لكن الصحيح انقسامها بحسب العظم هي والمتوسط والصغير ما كان منها عظيما توفرت حصته وهكذا وإن الشرايين لجلب الأرواح والتبريد بالهواء وإخراج الفضلات الدخانية فما كان من الأعضاء شديد الحاجة إلى ذلك توفرت حصته منها كآلات النفس وإلا فلا، وهكذا يجب تعليل من دقت صناعته وخفيت أفعاله وإلا فالتسليم بالعاجز أولى وأسلم، ثم قد ينظر فيها ثانيا من حيث البعد والقرب وفيه دقة يطول بحثها مذكورة في المتعذر وجوده. إذا عرفت هذا فاعلم أن أصل الشرايين كلها عرق واحد ينبت من سائر القلب يتفرع الأيمن. لجذب الأغذية بما فيه من الأوردة السابق ذكرها، وهذا العرق يسمى باليوناني أورطا أعنى التحرك بالحياة والعربية الأبهر ثم كما ينشأ ينقسم قالوا أصغرهما يرتفع في نصف البدن الاعلى وأعظمهما في السافل ولم يختلف في هذا القول أحد وعللوه بأن الأعضاء السافلة أكثر عددا فحصت بالجزء الأعظم، وهذا القول عندي مشكل جدا لان الأوردة إذا ذهب معظمها في السافل فتعليله متجه لأنها تحمل الغذاء وهو جسم ثقيل في الجملة وأعضاء الغذاء الأصلية كلها سفلية فتحتاج إلى مزيد الاختصاص بها، وأما الشرايين فموضوعها لحمل البخار والأرواح الشديدة الحرارة وجذب الهواء وكلها أفعال علوية ولا نزاع في أن الجزء موضوعه الاعلى لمامر وقد عرفت أن آخر أجزاء البدن الأرواح ولا حامل لها سوى الشرايين وأن السافلة غالبها غنى عن غالب أفعال الشريان فكيف يختص الاعلى بالأقل منه وهذا بحث لم أرفيه مساعدا ولم يقم عندي ترجيح ما أطبقوا عليه والله أعلم. ويمكن أن يحمل كلامهم على أن المراد بالأعظم الأكثر شعبا على أن ذلك فيه ما فيه، ثم إن أورطا كما ينشأ كساق الشجرة يرسل الشريان الوريدي إلى الرئة لجلب الهواء إليها وتعديلها بالحركة ويسمى الوريدي لمشابهة الأوردة في كونها بطبقة واحدة والحكيم أورده كذلك عناية بهذا العضو الخفيف كما قرره المعلم. وأقول أيضا إنما كان كذلك لأنه في هذا اللحم الرخو دائم الترطيب فلا يخشى شقه بخلاف غيره ثم يرسل أورطا شعبة إلى جانب القلب الأيمن وأخرى تدور حول القلب ثم يصعد الاعلى مارا في الحجاب والصدر حتى يحاذى العنق والكتف فيفرغ فيهما شعبا يمر غالبها في اليد وأكثرها يخالط الأوردة خصوصا الباسليق ومن ثم يجب الاحتياط في فصده والأعلى منها يمر على الرسغ وهو النبض الذي يجس الآن وأكثره يغنى في الكتف ثم يصعد فيكون منه الوداج الظاهر والغائر كما مر ومن الغائرين يتفرع الشريان السناني ثم يخالط شعبة الأوردة فينتسج مع الشبكة السابق ذكرها ويرتفع باقيه فيفنى في بطون الدماغ وجالينوس يقول إنها تعود فتخالط العظم اللامى وتنسج مع العروق السواكن وهذا يشبه أن يكون غير صحيح لعدم الفائدة فيه وأما نصفه النازل فكما يجاوز القلب يتشعب بين الفقرات والخرزات ويذهب في العجز بعدما يرسل إلى الطحال والكلى والأنثيين شعبا بقدرها لكن شعبه في الجهة اليسرى أعظم عكس الأوردة وفى كل موضع يكون أوثق بالأغشية عناية بالشرايين لشرفها حتى إذا بلغ أصل الفخذ عادت شعبه إلى الأيسر من
(٧٨)