المسلمون بينهما، فرجح قوم هذا وقوم هذا فليس ذلك دالا على أن القوم سووا بينه وبين عمر وجعلوا القولين مسألة خلاف، ذهب كل فريق إلى نصرة واحد منهما، كما يختلف اثنان من عرض المسلمين في بعض الأحكام فينصر قوم هذا وينصر ذاك آخرون فمن بلغت قوته وهمته إلى هذا كيف ينكر منه أنه يبايع أبا بكر لمصلحة رآها، ويعدل عن النص! ومن الذي كان ينكر عليه ذلك، وهو في القول الذي قاله للرسول صلى الله عليه وآله في وجهه غير خائف من الأنصار ولا ينكر عليه أحد لا رسول الله صلى الله عليه وآله ولا غيره وهو أشد من مخالفة النص في الخلافة وأفظع وأشنع قال النقيب: على أن الرجل ما أهمل أمر نفسه، بل أعد أعذارا وأجوبة وذلك لأنه قال لقوم عرضوا له بحديث النص: إن رسول الله صلى الله عليه وآله رجع عن ذلك بإقامته أبا بكر في الصلاة مقامه وأوهمهم أن ذلك جار مجرى النص عليه بالخلافة، وقال يوم السقيفة: أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلاة! ثم أكد ذلك بأن قال لأبي بكر وقد عرض عليه البيعة: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المواطن كلها، شدتها ورخائها، رضيك لديننا أفلا نرضاك لدنيانا.
ثم عاب عليا بخطبته بنت أبي جهل فأوهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله كرهه لذلك ووجد عليه، وأرضاه عمرو بن العاص، فروى حديثا افتعله واختلقه على رسول الله قال:
سمعته يقول: (إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين) فجعلوا ذلك كالناسخ لقوله صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه فهذا مولاه).
قلت للنقيب: أيصح النسخ في مثل هذا؟ أليس هذا نسخا للشئ قبل تقضى وقت فعله؟ فقال: سبحان الله! من أين تعرف العرب هذا! وأنى لها أن تتصوره فضلا عن أن تحكم بعدم جوازه فهل يفهم حذاق الأصوليين هذه المسألة، فضلا عن حمقى العرب! هؤلاء قوم ينخدعون بأدنى شبهة ويستمالون بأضعف (1) سبب وتبنى الأمور معهم على ظواهر