شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج ١ - الصفحة ٢٨٣
(17) ومن كلام له عليه السلا م في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة وليس لذلك بأهل:
إن أبغض الخلائق إلى الله تعالى رجلان:
رجل وكله الله إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن، افتتن به، ضال عن هدى من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته. حمال خطايا غيره، رهن بخطيئته.
ورجل قمش جهلا، موضع في جهال الأمة، عاد في أغباش الفتنة، عم بما في عقد الهدنة، قد سماه أشباه الناس عالما، وليس به. بكر فاستكثر من جمع، ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن، واكتنز من غير طائل.
جلس بين الناس قاضيا، ضامنا لتخليص ما التبس على غيره. فإن نزلت به إحدى المبهمات، هيأ لها حشوا رثا من رأيه، ثم قطع به. فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت، لا يدرى أصاب أم أخطأ، فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب. جاهل خباط جهالات، عاش ركاب عشوات، لم يعض على العلم بضرس قاطع.
يذري الروايات إذراء الريح الهشيم، لا ملئ والله بإصدار ما ورد عليه، ولا هو أهل لما فوض إليه. لا يحسب العلم في شئ مما أنكره، ولا يرى أن من وراء ما بلغ مذهبا لغيره، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به، لما يعلم من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدماء، وتعج منه المواريث.
(٢٨٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 ... » »»
الفهرست