إمتاع الأسماع - المقريزي - ج ٦ - الصفحة ١٢١
فما كان شهر ربيع الأول دخل عليها فرأت ظله فقالت: إن هذا لظل رجل، وما يدخل علي النبي! فمن هذا؟ فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأته قالت:
يا رسول الله! ما أدري ما أصنع حين دخلت علي.
قالت: وكانت لها جارية، وكانت تخبؤها من النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: فلانة لك، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم إلى سرير زينب - وكان قد رفع - فوضعه بيده ثم أصاب أهله ورضي عنهم (1).
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا (2) واعتزلهن لشئ صدر منهن، فقيل: لأنهن سألنه من النفقة ما

(1) (مسند أحمد) 7 / 474 - 475، حديث رقم (26325)، وحديث رقم (26326): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - قال: حدثنا ثابت عن سمية، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر فاعتل بعير لصفية.. فذكره نحوه.
(2) الايلاء في اللغة: الحلف. وفي الشرع: الحلف على ترك وطء الزوجة. وإن ترك الوطء بغير يمين لم يكن مؤليا، فإذا كان تركه لعذر من مرض، أو غيبة، ونحوه، لم تضرب له مدة، وإن تركه مضرا بزوجته، ففي رواية له أربعة أشهر، فإن وطئها، وإلا دعى بعدها إلى الوطء، فإن امتنع منه أمر بالطلاق، كما يفعل في الايلاء سواء، وفي رواية أخرى: لا تضرب له مدة.
والألفاظ التي يكون بها مؤليا، ثلاثة أقسام.
الأول: ما هو صريح في الحكم والباطن - أي في القضاء والديانة - جميعا، وهو ثلاثة ألفاظ، قوله: والله لا آتيك، ولا أدخل، ولا أغيب، أو أولج ذكري في فرجك، ولا أفتضك - إذا كانت الزوجة بكرا - فهذه صريحة ولا يدين فيها.
الثاني: صريح في الحكم، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، وهي عشرة ألفاظ: لا وطئتك، ولا جامعتك، ولا أصبتك، ولا باشرتك، ولا مسستك، ولا قربتك، ولا أتيتك، ولا باضعتك، ولا باعلتك، ولا اغتسلت منك. فهذه صريحة في الحكم، وأشهرها الجماع والوطء، فلو قال: أردت بالوطء الوطء بالقدم، وبالجماع اجتماع الأجسام، وبالإصابة الإصابة باليد، دين فيما بينه وبين الله تعالى ولم يقبل الحكم.
الثالث: ما لا يكون إيلاء إلا بالنية، وهو ما عدا هذه الألفاظ مما يحتمل الجماع وغيره، كقوله:
والله لا قربت فراشك، لا نمت عندك، فهذه الألفاظ إن أراد بها الجماع واعترف بذلك، كان مؤليا، وإلا فلا.
وهذا النوع الثالث منه ما يفتقر إلى نية الجماع والمدة، حتى تعتبر إيلاء، وذلك مثل:
لأسوءنك، لأغيظنك، لتطولن غيبتي عنك، فلا يكون مؤليا، حتى ينوي بها ترك الجماع مدة تزيد على أربعة أشهر، ومنه ما يكون مؤليا بنية فقط، وهو سائر ألفاظ الكناية.
وإن قال: والله ليطولن تركي لجماعك، أو لوطئك، أو لإصابتك، فهذا صريح في ترك الجماع، وتعتبر نية المدة دون نية الوطء.
وإن قال لإحدى زوجتيه: والله لا وطئتك، ثم قال للأخرى، أشركتك معها، لم يصر مؤليا من الثانية على قول، وعلى آخر يكون مؤليا. وكذلك لو آلى رجل من زوجته، فقال آخر لامرأته: أنت مثل فلانة لم يكن مؤليا، وإن قال: إن وطئتك فأنت طالق، ثم قال لزوجته الأخرى: أشركتك معها، ونوى، فقد صار طلاق الثانية معلقا على وطئها - أي وطء الثانية - أيضا.
ويصح الايلاء بكل لغة من العجمية وغيرها ممن يحسن العربية وممن لا يحسنها، فإن آلى بالعجمية من لا يحسنها وهو لا يدري معناها لم يكن مؤليا، وإن نوى موجبها عند أهلها، وكذلك الحكم إذا آلى بالعربية من لا يحسنها، فإن اختلف الزوجان في معرفته بذلك، فالقول قول الزوج، إذا كان متكلما بغير لسانه.
فأما إن آلى العربي بالعربية، ثم قال: جرى على لساني من غير قصد، أو قال ذلك العجمي في إيلائه بالعجمية لم يقبل في الحكم.
ويصح الايلاء بأن يحلف بالله تعالى، أو بصفة عن صفاته. ولا خلاف بين أهل العلم في أن الحلف بذلك إيلاء، فأما إن حلف على ترك الوطء بغير ذلك مثل: أن يحلف بطلاق، أو عتاق، أو صدقة المال، أو الحج، أو الظهار، فلا يكون مؤليا، في الرواية المشورة، وفي الأخرى: هو مؤل، وعلى الرواية الأخيرة لا يكون مؤليا، إلا أن يحلف بما يلزمه بالحنث فيه حق، كقوله: إن وطئتك فعبدي حر، أو فلله علي صوم سنة، أو فأنت طالق، أو فأنت علي حرام، ونحوه، فهذا يكون إيلاء.
ويكون مؤليا بنذر فعل المباحات والمعاصي أيضا، فإن نذر المعصية موجب للكفارة في ظاهر المذهب، وإذا استثنى في يمينه - قال: إن شاء الله - لم يكن مؤليا بلا خلاف إذا كانت اليمين بالله تعالى، أو كانت يمينا مكفرة - منعقدة - فأما تعليق الطلاق والعتاق، فمن جعل الاستثناء فيهما غير مؤثر، فوجوده كعدمه، ويكون مؤليا بهما، سواء استثنى أم لم يستثن.
ولا يشترط في الايلاء الغضب. ولا قصد الإضرار، ويصح الايلاء من كل زوج مكلف قادر على الوطء. أما العاجز عن الوطء، فإن كان لعارض مرجو زواله، كالمرض، والحبس، صح إيلاؤه. وإن كان غير مرجو الزوال كالجب - قطع الذكر - والشلل لم يصح إيلاؤه، وهو الأولى.
وأما الخصي الذي سلت بيضتاه، أو رضتا، فيمكن منه الوطء، وينزل ماء رقيقا، فيصح إيلاؤه، وكذلك المجبوب الذي بقي من ذكره ما يمكن الجماع به، ويصح إيلاء الذمي ويلزمه ما يلزم المسلم إذا تقاضى إلينا.
ويصح الايلاء من كل زوجة، مسلمة كانت أو ذمية، حرة كانت أو أمة، ويصح الايلاء من المجنونة، والصغيرة، إلا أنه لا يطالب بالفيئة في الصغر والجنون، فأما الرتقاء، والقرناء، فلا يصح الايلاء منهما، ويحتمل أن يصح وتضرب له المدة، ويفئ في ء المعذور.
وإن آلى من زوجته المطلقة رجعيا صح إيلاؤه، وروي أنه لا يصح، وإذا آلى منها احتسب بالمدة من حين آلى، وإن كانت في العدة. وقيل: لا يحتسب عليه المدة إلا حين يراجعها.
وأما توجيه الايلاء لأكثر من زوجة، فإن قال لأربع نسوة: والله لا أقربكن فهو مؤل منهن كلهن في الحال. فإن وطئ واحدة منهن حنث، وانحلت يمينه، وزال الايلاء من البواقي. وإن طلق بعضهن أو ماتت لم ينحل الايلاء في الباقيات.
وقيل لا يكون مؤليا منهن في الحال، فإن وطئ ثلاثا صار مؤليا من الرابعة فقط، وإن مات بعضهن أو طلقها انحلت يمينه وزال الايلاء، فإن راجع المطلقة أو تزوجها بعد بينونتها عاد حكم يمينه، وقيل:
إن وطئ واحدة حنث، ولم ينحل الايلاء في الباقيات.
ومدة الايلاء أربعة أشهر في حق الأحرار، والعبيد المسلمين، وأهل الذمة سواء، ولا فرق بين الحرة والأمة، والمسلمة والذمية، والصغيرة والكبيرة، وروي أن مدة إيلاء العبيد شهران. (المغني): 11 / 107 - 116 مختصرا من المعجم.
قال تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم) " البقرة:
226 ". ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المؤلي بأربعة أشهر، الأثر الذي رواه الإمام مالك بن أنس رحمه الله في الموطأ، عن عبد الله بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه * وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه فوالله لولا الله أني أراقبه * لحرك من هذا السرير جوانبه فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر، أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك.
وقال محمد بن إسحاق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس، وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرا، إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها تقول:
تطاول هذا الليل وازور جانبه * وأرقني أن لا ضجيج ألاعبه ألاعبه طورا وطورا كأنما * بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه يسر به من كان يلهو بقربه * لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه فوالله لولا الله لا شئ غيره * لنقض من هذا السرير جوانبه ولكنني أخشى رقيبا موكلا * بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه مخافة ربي والحياء يصدني * وإكرام بعلي أن تنال مراكبه وقد روي هذا من طرق، وهو من المشهورات (تفسير ابن كثير): 1 / 276.
(١٢١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 115 117 118 119 120 121 124 125 126 127 128 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 فصل في ذكر ذريه رسول الله صلى الله عليه وسلم 3
2 فصل في ذكر عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم 13
3 فصل في ذكر سلالة رسول الله صلى الله عليه وسلم 17
4 فصل في ذكر سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم 18
5 نبذة 20
6 فصل في العقب والعقاب 22
7 فصل في ذكر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم 24
8 - أم المؤمنين خديجة بنت خويلد 24
9 - أم المؤمنين سودة بنت زمعة 31
10 - أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر 35
11 - غزية 44
12 أم المؤمنين حفصة بنت عمر 46
13 أم المؤمنين زينب بنت خزيمة 52
14 أم المؤمنين أم سلمة 53
15 أم المؤمنين زينب بنت جحش 57
16 أم المؤمنين أم حبيبة 63
17 أم المؤمنين جويرية بنت الحارث 82
18 أم المؤمنين صفية بنت حيي 86
19 أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث 89
20 فصل جامع لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم 92
21 - أم شريك 97
22 - العالية 97
23 - الكلابية 98
24 أسماء بنت عمرو 99
25 - قتيلة بنت قيس 99
26 - الجونية 100
27 - مليكة بنت كعب 101
28 أم هانئ 102
29 - صفية بنت بشامة 104
30 - ليلى بنت الخطيم 105
31 - خولة بنت الهذيل 106
32 - شراف بنت قطام 106
33 - ضباعة بنت عامر 107
34 الكلبية 108
35 - أمامة بنت الحارث 109
36 - جمرة بنت الحارث 109
37 - درة بنت أبي سلمة 110
38 - أمامة بنت حمزة 110
39 - أم حبيب 111
40 - سناء بنت أسماء بنت الصلت 111
41 فصل في ذكر قوة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجماع 126
42 فصل في ذكر سرارى رسول الله صلى الله عليه وسلم 129
43 - مارية 129
44 - ريحانة 131
45 فصل في ذكر أسلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم 134
46 - أسلافه صلى الله عليه وسلم من قبل خديجة 134
47 - أسلافه صلى الله عليه وسلم من قبل سودة 136
48 - أسلافه صلى الله عليه وسلم من قبل عائشة 141
49 - أسلافه صلى الله عليه وسلم من قبل حفصة 146
50 - أسلافه صلى الله عليه وسلم من قبل زينب أم المساكين 149
51 - أسلافه صلى الله عليه وسلم من قبل أم سلمة 149
52 - أسلافه صلى الله عليه وسلم من قبل زينب بنت جحش 155
53 - أسلافه صلى الله عليه وسلم من قبل أم حبيبة 157
54 - أسلافه صلى الله عليه وسلم من قبل ميمونة 164
55 - أسلافه صلى الله عليه وسلم من قبل مارية 171
56 فصل في ذكر أحماء رسول الله صلى الله عليه وسلم 174
57 حمو رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل خديجة 175
58 - حموه صلى الله عليه وسلم من قبل سودة 177
59 - حموه صلى الله عليه وسلم من قبل عائشة 181
60 - حموه صلى الله عليه وسلم من قبل حفصة 183
61 - حموه صلى الله عليه وسلم من قبل أم سلمة 183
62 - حموه صلى الله عليه وسلم من قبل زينب بنت جحش 184
63 - حموه صلى الله عليه وسلم من قبل أم حبيبة 185
64 - حموه صلى الله عليه وسلم من قبل جويرية 186
65 - حموه صلى الله عليه وسلم من قبل صفية 187
66 - حموه صلى الله عليه وسلم من قبل ميمونة 188
67 فصل في ذكر أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم 189
68 أصهاره صلى الله عليه وسلم من قبل خديجة 192
69 إخوة خديجة 194
70 - أصهاره صلى الله عليه وسلم من قبل سودة 197
71 - أصهاره صلى الله عليه وسلم من قبل عائشة 201
72 - أصهاره صلى الله عليه وسلم من قبل حفصة 211
73 - أصهاره صلى الله عليه وسلم من قبل أم سلمة 220
74 - أولاد عم أم سلمة 228
75 - إخوة أم سلمة 251
76 - أصهاره صلى الله عليه وسلم من قبل زينب بنت جحش 254
77 - أصهاره صلى الله عليه وسلم من قبل أم حبيبة 256
78 - إخوة أم حبيبة 261
79 - صهره صلى الله عليه وسلم من قبل جويرية 270
80 - أصهاره صلى الله عليه وسلم من قبل ميمونة 270
81 - أصهاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ونساء أعمامه 275
82 - أصهاره صلى الله عليه وسلم أزواج عماته 278
83 - أصهاره صلى الله عليه وسلم من قبل بناته 283
84 فصل في ذكر من كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولاد نسائه 295
85 فصل في ذكر موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم 302
86 فصل في ذكر إماء رسول الله صلى الله عليه وسلم 340
87 فصل في ذكر خدام رسول الله صلى الله عليه وسلم 349
88 فصل في ذكر من كان يلازم باب رسول الله صلى الله عليه وسلم 352
89 فصل في ذكر الحاجب الذي كان يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم 354
90 فصل في ذكر صاحب طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم 356
91 فصل في ذكر من كان يغمز رسول الله صلى الله عليه وسلم 362
92 فصل في ذكر عدة ممن كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم 363
93 فصل في ذكر لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم 366
94 - وأما الكلمة والقلنسوة والقناع 372
95 - وأما القميص 378
96 - وأما الرداء 381
97 - وأما القباء والمفرج 384
98 - وأما البردة 386
99 - وأما الجبة 391
100 - وأما الحلة 395