تفسير أبي السعود - أبي السعود - ج ٩ - الصفحة ٣٤
ويكملون فرائضها وسننها ومستحباتها وآدابها وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولا وآخرا باعتبارين للدلالة على فضلها وإنافتها على سائر الطاعات وتكرير الموصولات لتنزيل اختلاف الصفات منزلة اختلاف الذوات كما في قول من قال:
إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتائب في المزدحم ايذانا بأن كل واحد من الأوصاف المذكورة نعت جليل على حياله له شأن خطير مستتبع لأحكام جمة حقيق بأن يفرد له موصوف مستقل ولا يجعل شيء منها تتمة للآخر «أولئك» إشارة إلى الموصوفين بما ذكر من الصفات وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليهم للايذان بعلو شانهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ خبرة «في جنات» اى مستقرون في جنات لا يقادر قدرها ولا يدرك كنهها وقوله تعالى «مكرمون» خبر اخر أو هو الخبر وفى جنات متعلق به قدم عليه لمراعاة الفواصل أو بمضمر هو حال من الضمير في الخبر اى مكرمون كائنين في جنات «فمال الذين كفروا قبلك» حولك «مهطعين» مسرعين نحوك مادي أعناقهم إليك مقبلين بابصارهم عليك «عن اليمين وعن الشمال عزين» اى فرقا شتى جمع عزة واصلها عزوة من العزو كأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي اليه الأخرى كان المشركون يحلقون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقا حلقا وفرقا وفرقا ويستهزؤن بكلامه عليه الصلاة والسلام ويقولون ان دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت «أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم» بلا ايمان «كلا» ردع لهم عن ذلك الطمع الفارغ «إنا خلقناهم مما يعلمون» قيل هو تعليل للردع والمعنى انا خلقناهم من أجل ما يعلمون كما في قول الأعشى:
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا * وشطت على ذي هوى ان تزارا وهو تكميل النفس بالايمان والطاعة فمن لم يستكملها بذلك فهو بمعزل من أن يبوأ مبوأ الكاملين فمن أين لهم أن يطمعوا في دخول الجنة وهم مكبون على الكفر والفسوق وانكار البعث وقيل معناه انا خلقناهم مما يعلمون من نطفة مذرة فمن اين يتشرفون ويدعون التقدم ويقولون لندخلن الجنة قبلهم وقيل انهم مخلوقون من نطفة قدرة لا تناسب عالم القدس فمتى لم تستكمل الايمان والطاعة ولم تتخلق بأخلاق الملكية لم تستعد لدخولها ولا يخفى ما في الكل من التمحل والأقرب أنه كلام مستأنف قد سبق تمهيدا لما بعده من بيان قدرته تعالى على أن يهلكهم لكفرهم بالبعث والجزاء
(٣٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة