تفسير أبي السعود - أبي السعود - ج ٩ - الصفحة ٢١٤
سورة الفلق مكية مختلف فيها و آيها خمس بسم الله الرحمن الرحيم «قل أعوذ برب الفلق» الفلق الصبح كالفرق لأنه يفلق عنه الليل ويفرق فعل بمعنى مفعول فإن كل واحد من المفلوق و المفلوق عنه مفعول وقيل هو ما انفلق من عموده وقيل هو كل ما يفلقه الله تعالى كالأرض عن النبات والجبال عن العيون والسحاب عن الأمطار والحب والنوى عما يخرج منهما وغير ذلك وفي تعليق العياذ باسم الرب المضاف إلى الفلق المنبئ عن النور عقيب الظلمة والسعة بعد الضيق والفتق بعد الرتق عدة كريمة بإعادة العائذ مما يعوذ منه وإنجائه منه وتقوية لرجائه بتذكير بعض نظائره ومزيد ترغيب له في الجد والاعتناء بقرع باب الالتجاء إليه تعالى وأما الإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل من هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ ما يخافه كما قيل فلا إذ لا ريب العائذ في قدرته تعالى على ذلك حتى يحتاج إلى التنبيه عليها «من شر ما خلق» أي من شر ما خلقه من الثقلين وغيرهم كائنا ما كان من ذوات الطبائع والاختيار وهذا كما ترى شامل لجميع الشرور فمن توهم أن الاستعاذة هاهنا من المضار البدنية وأنها تعم الإنسان وغيره بما بصدد الاستعاذة ثم جعل عمومها مدارا لإضافة الرب إلى الفلق فقد نأى عن الحق بمراحل وإضافة الشر إليه لاختصاصه بعالم الخلق المؤسس على امتزاج المواد المتباينة وتفاعل كيفياتها المتضادة المستتبعة للكون والفساد وأما عالم الأمر فهو خير محض منزه عن شوائب الشر بالمرة وقوله تعالى «ومن شر غاسق» تخصيص لبعض الشرور بالذكر مع اندراجه فيما قبله لزيادة مساس الحاجة إلى الاستعاذة منه لكثرة وقوعه ولأن تعيين المستعاذ منه أدل على الاعتناء بالاستعاذة وادعى إلى الإعاذة أي ومن شر ليل معتكر ظلامه من قوله تعالى «إلى غسق الليل» وأصل الغسق سيلان دمعها وإضافة الشر إلى الليل لملابسته له بحدوثه فيه وتفكيره لعدم شمول الشر لجميع أفراده ولا لكل أجزائه وتقييده بقوله تعالى «إذا وقب»
(٢١٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة