تفسير أبي السعود - أبي السعود - ج ٦ - الصفحة ٢٩٧
كان لهم علم بذلك على الحقيقة ثم انتفى شيئا فشيئا بل على طريقة المجاز بتنزيل أسباب العلم ومباديه من الدلائل العقلية والسمعية منزلة نفسه وإجراء تساقطها عن درجة اعتبارهم كلما لاحظوها مجرى تتابعها إلى الانقطاع ثم أضرب وانتقل عن بيان عدم علمهم بها إلى بيان ما هو أسوأ منه وهو حيرتهم في ذلك حيث قيل «بل هم في شك منها» أي في شك مريب من نفس الآخرة وتحققها كمن تحير في أمر لا يجد عليه دليلا فضلا عن الأمور التي ستقع فيها ثم أضرب عن ذلك إلى بيان أن ما هم فيه أشد وأفظع من الشك حيث قيل «بل هم منها عمون» بحيث لا يكادون يدركون دلائلها لاختلال بصائرهم بالكلية وقرئ بل أدرك علمهم بمعنى انتهى وفنى وقد فسره الحسن البصري اضمحل علمهم وقيل كلنا الصيغتين على معناها الظاهر أي تكامل واستحكم أو تم أسباب علمهم بأن القيامة كائنة لا محالة من الآيات القاطعة والحجج الساطعة وتمكنوا من المعرفة فضل تمكن وهم جاهلون في ذلك وقوله تعالى بل هم في شك منها إضراب وانتقال من وصفهم بمطلق الجهل إلى وصفهم بالشك وقوله تعالى بل هم منها عمون إضراب من وصفهم بالشك إلى وصفهم بما هو أشد منه وأفظع من العمى وأنت خبير بأن تنزيل أسباب العلم منزلة العلم سنن مسلوك لكن دلالة النظم الكريم على جهلهم حينئذ ليست بواضحة وقيل المراد بوصفهم باستحكام العلم وتكامله التهكم بهم فيكون وصفا لهم بالجهل مبالغة والإضرابان على ما ذكر واصل ادارك تدارك وبه قرأ أبي فأبدلت التاء دالا وسكنت فتعذر الابتداء فاجتلبت همزة الوصل فصار ادارك وقرئ بل أدرك وأصله افتعل وبل أأدرك بهمزتين وبل آأدرك بألف بينهما وبل أدرك بالتخفيف والنقل وبل أدرك بفتح اللام وتشديد الدال وأصله بل أدرك على الاستفهام وبلى أدرك وبلى أأدرك وأم تدارك وأم أدرك فهذه ثنتا عشرة قراءة فما فيه استفهام صريح أو مضمن من ذلك فهو إنكار ونفي وما فيه بلى فإثبات لشعورهم وتفسير له بالإدراك على وجه التهكم الذي هو أبلغ وجوه النفي والإنكار وما بعده إضراب عن التفسير مبالغة في النفي ودلالة على أن شعورهم بها أنهم شاكون فيها بل أنهم منها عمون أورد إنكار لشعورهم «وقال الذين كفروا» بيان لجهلهم بالآخرة وعمههم منها بحكاية إنكارهم للبعث ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز صلته والإشعار بعلة حكمهم الباطل في قولهم «أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون» أي أنخرج من القبور إذا كنا ترابا كما ينبئ عنه مخرجون ولا مساغ لأن يكون هو العامل في إذا لاجتماع موانع لو تفرد واحد منها لكفى في المنع وتقييد الإخراج بوقت كونهم ترابا ليس لتخصيص الإنكار بالإخراج حينئذ فقط فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت مطلقا وإن كان البدن على حاله بل لتقوية الإنكار بتوجيهه إلى الإخراج في حالة منافية له وقوله تعالى وآباؤنا عطف على اسم كان وقام الفصل مع الخبر مقام الفصل بالتأكيد وتكرير الهمزة في اثنا للمبالغة والتشديد في الإنكار وتحلية الجملة بأن واللام لتأكيد الإنكار لا لإنكار التأكيد كما يوهمه ظاهر النظم فإن تقديم الهمزة لاقتضائها الصدارة كما في قوله تعالى أفلا تعقلون ونظائره على رأي الجمهور فإن المعنى عندهم تعقيب الإنكار لا إنكار التعقيب كما هو المشهور
(٢٩٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 (سورة طه) قوله تعالى: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. 2
2 قوله تعالى: منها خلقناكم وفيها نعيدكم الآية. 22
3 قوله تعالى: وما أعجلك عن قومك يا موسى. 33
4 قوله تعالى: وعنت الوجوه للحي القيوم الآية. 43
5 (سورة الأنبياء - الجزء السابع عشر) قوله تعالى: اقترب للناس حسابهم الآية. 53
6 قوله تعالى: ومن يقل منهم أني إله الآية. 64
7 قوله تعالى: وقد آتينا إبراهيم رشده الآية. 72
8 قوله تعالى: وأيوب إذ نادى ربه الآية. 81
9 (سورة الحج) قوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم الآية. 91
10 قوله تعالى: هذان خصمان اختصموا في ربهم الآية. 101
11 قوله تعالى: إن الله يدافع عن الذين آمنوا الآية. 108
12 قوله تعالى: ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به الآية. 116
13 (سورة المؤمنون - الجزء الثامن عشر) قوله تعالى: قد أفلح المؤمنون. 133
14 قوله تعالى: هيهات هيهات لما توعدون. 134
15 قوله تعالى: ولو رحمناهم الآية. 145
16 (سورة النور) قوله تعالى: سورة أنزلناها وفرضناها الآية. 155
17 قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا الآية. 164
18 قوله تعالى: الله نور السماوات والأرض الآية. 175
19 قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم الآية. 188
20 (سورة الفرقان) قوله تعالى: تبارك الذي نزل الفرقان الآية 200
21 [الجزء التاسع عشر] قوله تعالى: وقال الذين لا يرجون لقاءنا الآية 210
22 قوله تعالى: وهو الذي مرج البحرين الآية. 225
23 (سورة الشعراء) قوله تعالى: طسم تلك آيات الكتاب المبين. 233
24 قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى الآية 244
25 قوله تعالى: قالوا أنؤمن لك الآية 254
26 أوفوا الكيل ولا تكونوا الآية 262
27 (سورة النمل) قوله تعالى: طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين. 271
28 قوله تعالى: قال سننظر أصدقت الآية. 282
29 [الجزء العشرون] قوله تعالى: فما كان جواب قومه الآية 292
30 قوله تعالى: وإذا وقع القول عليهم أخرجنا الآية 300