تفسير القرطبي - القرطبي - ج ٣ - الصفحة ١٥٥
قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم (231) فيه ست مسائل:
الأولى - قوله تعالى: (فبلغن أجلهن) معنى " بلغن " قاربن، بإجماع من العلماء، ولأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الاجل لا خيار له في الامساك، وهو في الآية التي بعدها بمعنى التناهي، لان المعنى يقتضى ذلك، فهو حقيقة في الثانية مجاز في الأولى.
الثانية - قوله تعالى: (فأمسكوهن بمعروف) الامساك بالمعروف هو القيام بما يجب لها من حق على زوجها، ولذلك قال جماعة من العلماء: إن من الامساك بالمعروف أن الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة أن يطلقها، فإن لم يفعل خرج عن حد المعروف، فيطلق عليه الحاكم من أجل الضرر اللاحق لها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، والجوع لا صبر عليه، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ويحيى القطان وعبد الرحمن ابن مهدي، وقاله من الصحابة عمر وعلى وأبو هريرة، ومن التابعين سعيد بن المسيب وقال: إن ذلك سنة. ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت طائفة (1):
لا يفرق بينهما، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم، وهذا قول عطاء والزهري، وإليه ذهب الكوفيون والثوري، واحتجوا بقوله تعالى: " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة (2) " وقال: " وأنكحوا الأيامى منكم (3) " الآية، فندب تعالى إلى إنكاح الفقير، فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة، وهو مندوب معه إلى النكاح. وأيضا فإن النكاح بين الزوجين قد انعقد بإجماع فلا يفرق بينهما إلا بإجماع مثله، أو بسنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم

(1) في ب: فرقة.
(2) راجع ج 3 ص 371.
(3) راجع ج 12 ص 239
(١٥٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 ... » »»
الفهرست