تفسير أبي السعود - أبي السعود - ج ٩ - الصفحة ٨٧
المعبر عنها بالحياة في قوله تعالى وجعلنا النهار معاشا اي وقت حياة تبعثون فيه من نومكم الذي هو أخو الموت كما في قوله تعالى وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا وجعل كون الليل لباسا عبارة عن تره عن العيون لمن أراد هربا من عدو أو بياتا له أو نحو ذلك مما لا مناسبة له بالمقام وكذا جعل النهار وقت التقلب في تحصيل المعايش والحوايج وبنينا فوقكم سبعا شدادا أي سبع سماوات قوية الخلق محكمة البناء لا يؤثر فيها مر الدهور وكر العصور والتعبير عن خلقها بالبناء مبنى على تنزيلها منزلة القباب المضروبة على الخلق وتقديم الظرف على المفعول ليس لمراعاة الفواصل فقط بل للتشويق اليه فان ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبة له فإذا ورد عليها تمكن عندها فضل تمكن وجعلنا سراجا وهاجا هذا الجعل بمعنى الانشاء والابداع كالخلق خلا انه مختص بالانشاء التكويني وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما في الآية الكريمة وللتشريعي أيضا كما في قوله تعالى ما جعل الله من بحيرة الخ وقوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وأياما كان ففيه انباء عن ملابسة مفعوله بشيء آخر بأن يكون فيه أوله أو منه أو نحو ذلك ملابسة مصححة لأن يتوسط بينهما شيء من الظروف لغوا كان أو مستقرا لكن لا على أن يكون عمدة في الكلام بل قيدا فيه كما في قوله تعالى وجعل بينهما برزخا وقوله تعالى وجعل فيها رواسي وقوله تعالى واجعل لنا من لدنك وليا الآية فان كل واحد من هذه الظروف اما متعلق بنفس الجعل أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله تقدمت عليه لكونه نكرة وأيا ما كان فهو قيد في الكلام حتى إذا اقتضى الحال وقوعه عمدة فيه يكون الجمل متعديا إلى اثنين هو ثانيهما كما في قوله تعالى يجعلون أصابعهم في آذانهم وربما يشتبه الأمر فيظن أنه عمدة فيه وهو في الحقيقة قيد بأحد الوجهين كما سلف في قوله تعالى اني جاعل في الأرض خليفة والوهاج الوقاد المتلألئ من وهجت النار إذا أضاءت أو البالغ في الحرارة من الوهج والمراد به الشمس والتعبير عنها بالسراج من روادف التعبير عن خلق السماوات بالبناء وأنزلنا من المعصرات هي السحائب إذا أعصرت اي شارفت ان تعصرها الرياح فتمطر كما في احصد الزرع إذا حان له أن يحصد ومنه أعصرت الجارية إذا دنت ان تحيض أو الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب وقرئ بالمعصرات ووجه ذلك أن الانزال حيث كان من المعصرات سواء أريد بها السحائب أو الرياح فقد كان بها كما يقال أعطاه من يده وبيده وقد فسرت المعصرات بالرياح ذوات الأعاصير ووجهه أن الرياح هي التي
(٨٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة