كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج ٣ - الصفحة ٦٧
فقالت أم سنان: صدقت (1)، يا معاوية! أنا القائلة هذه الأبيات ولكنه لسان نطق وقول صدق، ولئن تحقق لنا فيك ما نؤمل فحظك الأوفر، ووالله يا معاوية! ما أورد بك الشناءة (2) في قلوب المسلمين إلا مثل هذا وأصحابه، فارفض أقاويلهم وادحض أباطيلهم، فإن كنت (3) فعلت ذلك ازددت من الله قربا ومن المؤمنين حبا، فقال معاوية: وإنك لتقولين ذلك يا أم سنان؟ فقالت أم سنان: سبحان الله العظيم!
يا معاوية! ما مثلي من احتج بالباطل ولا اعتذر بالكذب، وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضمير قلوبنا، وإن عليا كان أحب إلينا منك إذ كان حيا، وأنت والله أحب إلينا من غيرك إذ كنت باقيا. فقال معاوية: أنا أحب ممن؟ فقالت: من مروان بن الحكم ومن سعيد بن العاص، فقال معاوية: وبما استحققت ذلك عندكم؟ فقالت: بحسن عملك (4) وكرم عفوك، فقال معاوية: لقد قاربت من القول يا أم سنان! ولست أذكر منك ما كان من تحريضك علي يوم الأشتر وعمرو بن العاص، ولكن ألك حاجة فتقضى؟ فقالت: نعم، إن مروان بن الحكم قد تبنك (5) بالمدينة وتبنك من لا يريد البراح عنها، وهو مع ذلك لا يريد أن يحكم بعدل ولا يقضي بسنة، ويتبع عثرات المسلمين ويكشف عورات المؤمنين، وذلك أنه حبس قرابة لي، فجئته وكلمته فيه فقال كيت وكيت، فوالله ما قمت من بين يديه حتى ألقمته أخشن من الحجر وألعقته أمر من الصبر، ثم رجعت على نفسي باللائمة وجئتك لتكون لي ناصرا، وفي أمري ناظرا، وعليه معتديا، وبأهل الحق مقتديا، قال: فضحك معاوية من حسن كلامها ثم قال: يا أم سنان! فإننا لا نسألك عن ذنب محبوسك ولا القيام بحجته ولكنا نطلقه لك وإن رغم مروان.
ثم قال معاوية: اكتبوا لها بإطلاق محبوسها حتى ترجع إلى منزلها، فقالت:
وأنى بالرجعة (6) وقد نفدت نفقتي وكلت راحلتي! فقال معاوية: هيئوا لها راحلة وادفعوا إليها ألف درهم، فقالت: أنت أكرم من أن تعطي ألف درهم، قال:

(1) بالأصل: صدق.
(2) في العقد والصبح: والله ما ورثك الشنآن.
(3) بالأصل: كان.
(4) العقد والصبح: بسعة حلمك.
(5) تبنك: أقام.
(6) العقد والصبح: وقد نفد زادي.
(٦٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 ذكر وقعة الماء وهي أول وقعة صفين 5
2 ذكر الوقعة الثانية بصفين 14
3 ذكر ما جرى بعد ذلك من الكلام 51
4 حديث خالد بن المعمر السدوسي 55
5 ثم رجعنا إلى الخبر 56
6 حديث سودة بنت عمارة الهمذانية مع معاوية 59
7 ثم رجعنا إلى الخبر 61
8 حديث أم سنان المذحجية مع معاوية 65
9 ثم رجعنا إلى الخبر من صفين 68
10 ذكر ما جرى من المناظرة بين أبي نوح وذي الكلاع الحميري 71
11 ذكر ما كان بعد ذلك من القتال 81
12 حديث عدي بن حاتم الطائي مع معاوية 82
13 ثم رجعنا إلى الخبر 83
14 حديث الزرقاء بنت عدي الهمذانية مع معاوية 87
15 ثم رجعنا إلى الخبر 89
16 ثم رجعنا إلى الخبر 103
17 حديث عبد الله بن هاشم مع معاوية 124
18 ثم رجعنا إلى الخبر 126
19 ذكر مقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب 128
20 ذكر ما كان بعد ذلك من القتال 131
21 خبر عرار بن الأدهم 141
22 ذكر ما جرى من الكتب بين علي بن أبي طالب وبين معاوية وعمرو بن العاص وابن عباس لما عضهم سلاح أهل العراق 149
23 ذكر مقتل عمار بن ياسر رحمه الله 158
24 ذكر القوم الذين أنفذهم معاوية إلى علي بن أبي طالب يكلمونه في ضع الحرب 168
25 ذكر تحريض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على القتال 171
26 ذكر تحريض معاوية أصحابه على القتال 172
27 ذكر الواقعة الخميسية وهي وقعة لم يكن بصفين أشد منها وصفة ليلة الهرير 174
28 ذكر صفة ليلة الهرير 180
29 ذكر رفع المصاحف على رؤوس الرماح 181
30 ذكر امتناع القوم من القتال 182
31 ثم رجعنا إلى الخبر 188
32 ذكر ما كان بعد ذلك بينهم من المكاتبة 191