الاحكام - ابن حزم - ج ٥ - الصفحة ٧١١
ولا يلزمه شئ، لا في الفتيا ولا في القضاء، وإن اعترف بذلك وأقر بأنه نواه.
ثم تقولون: إن من نوى في حال صيامه أنه تارك للصوم عامدا بذلك، ذاكرا لصومه، إلا أنه لم يأكل ولم يشرب ولا وطئ ولا فعل فعلا ينقض الصوم، فإن صومه قد بطل، وأنه قد أفطر، وتقولون فيمن نوى في حال صلاته: إنه تارك الصلاة خارج عنها، إلا أنه لم يفارق ما هو فيه من هيئتها أنه قد بطلت صلاته إذا تعمد ذلك وهو ذاكر أنه في صلاة، وتقولون فيمن نوى في حال إعطائه زكاة ماله أنه ليس ذلك عن زكاته المفترضة عليه، إنه كذلك غير مؤد فرض زكاته وأن عليه أداءها ثانية.
وتقولون فيمن نوى في حال تذكيته ما يذكي: أنه عابث غير قاصد إلى التذكية المأمور بها، إنها ميتة لا يحل أكلها، وتقولون فيمن نوى في حال عمرته وحجه إنه رافض لهما، وهو مع ذلك متماد في عملهما، فإن حجه وعمرته قد بطلا، وتقولون فيمن نوى في حال وضوئه وغسله، إن بعض عمله لهما لا ينوي به أداء الغسل الوضوء المفترضين عليه: إن ذلك الغسل والوضوء ناقصان، لا بد من إعادة ما عمل بغير نية.
وتقولون فيمن أتم كل هذه الأعمال بنية لها فلما أتمها نوى بطلانها: إنه لا يبطل شئ منها بذلك، وأنها ماضية جازية جائزة، فما الفرق بين ما جوزتموه وبين ما أبطلتموه من ذلك؟ وهل كل ذلك إلا سواء؟ وما الفرق بين استغناء النية في بعض هذه الوجوه عن مضامة العمل إليها، وبين افتقارها إلى مضامة العمل إليها في بعضها؟.
فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن جميع الأعمال المأمور بها هي مفتقرة إلى نية تصحبها كما قدمنا لما ذكرنا في أول هذا الباب من وجوب القصد إلى الله تعالى والاخلاص له بالعمل، فمتى قصد المرء إلى إبطال تلك النية فقد بطل ذلك العمل، إذ لم يأت به كما أمر من أصحاب النية إياه، فلذلك بطل ما ذكرنا من الوضوء والغسل والصوم والحج، لأنه ليس إلا صائم أو غير صائم، أو مصل، أو غير مصل، ومتوضئ أو غير متوضئ. وهكذا في الزكاة والحج وغير ذلك، فإذا لم يكن صائما. ولا مصليا ومتوضئا كما أمر، فهو غير صائم ولا متوضئ ولا مصل
(٧١١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 706 707 708 709 710 711 712 713 714 715 716 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 الباب الثالث والعشرون في استصحاب الحال، وبطلان جميع العقود والعهود والشروط إلا ما أوجبه منها قرآن، أو سنة عن رسول الله (ص) ثابته 590
2 الباب الرابع والعشرون وهو باب الحكم بأقل ما قيل 630
3 الباب الخامس والعشرون في ذم الاختلاف 642
4 الباب السادس والعشرون في أن الحق في واحد وسائر الأقوال كلها باطل 647
5 الباب السابع والعشرون في الشذوذ 661
6 الباب الثامن والعشرون في تسمية الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا وتسمية الفقهاء المذكورين في الاختلاف بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم 663
7 الباب التاسع والعشرون في الدليل 676
8 الباب الموفي ثلاثين في لزوم الشريعة الإسلامية لكل مؤمن وكافر في الأرض ووقت لزوم الشرائع للإنسان 678
9 الباب الحادي والثلاثون في صفه التفقه في الدين، وما يلزم كل امرئ طلبه من دينه، وصفته المفتى الذين له أن يفتى في الدين، وصفة الاجتهاد الواجب على أهل الإسلام 689
10 الباب الثاني والثلاثون في وجوب النيات في جميع الأعمال والفرق بين الخطأ الذي تعمد فعله ولم يقصد به خلاف ما أمر وبين الخطأ الذين لم يتعمد فعله وبين العمل المصحوب بالقصد إليه، وحيث يلحق عمل المرء غيره بأجر أو اثم وحيث لا يلحق 706
11 الباب الثالث والثلاثون في شرائع الأنبياء عليهم السلام قبل محمد (صلى الله عليه وآله) أيلزمنا إتباعها ما لم ننه عنها أم لا يجوز لنا اتباع شئ منها أصلا إلا ما كان منها في شريعتنا وأمرنا نحن به نصا باسمه فقط؟ 722