الاحكام - ابن حزم - ج ٥ - الصفحة ٧٠٠
أيضا، وإنما أمر أن يقضي بالبينة العدلة عنده، ولا يقدر على أكثر من أن يحكم بالعدالة الظاهرة إليه، وبظاهر العلم عنده، وكما أمر بقبول اليمين من المنكر، وهما شيئان متغايران: أحدهما: بما شهدت به البينة، وألا يقضي على من حلف في قضية ألزم فيها اليمين، فهذا هو الذي ألزم النبي صلى الله عليه وسلم وألزمنا نحن بعده السلام. والثاني: أن يمكن صاحب الحق في علم الله تعالى من حقه، وهذا لا سبيل إلى علمه في كل موضع، فإن حرمنا هذا وحرمنا وفاق العدل عند الله عز وجل.
فلا إثم ولا حرج، لأنه لا سبيل إلى علم ذلك بيقين، ولا كلفناه، وهذا لا يسمى اجتهادا على الاطلاق، ولكنه يقين اتباع ما أمر به عليه السلام من الحكم بالعدول على حسب ما يطيق على معرفته، وهو الظاهر، وبقبول يمين المنكر، ولا سبيل إلى اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في شرع الشرائع، والأوامر عنده واردة متيقنة، ولا إشكال فيها. يعمل خاصها من عامها، وناسخها من منسوخها، ومستثناها من المستثنى منه، علم يقين ومشاهدة في جميع ما أنزل عليه.
وأما الاجتهاد الذي كلفناه نحن، فهو طلب هذه المعاني، ولم نشاهدها كلها فنعلمها لكن نقبلها من الثقات الذين أمرنا الله تعالى بقبول نذارتهم إلى أن يبلغونا إلى الذين شهدوها، وهم ونحن لا نعلم كل ذلك علم يقين.
فإن اعترض معترض بفعله عليه السلام في أخذ الفداء، فنزل من عتابه على ذلك ما نزل. فالجواب: أننا لا ننكر أن يفعل عليه السلام ما لم يتقدم نهي من ربه تعالى له عنه، إلا أنه لا يترك وذلك، ولا بد من أن ينبه عليه.
وأما الوهم من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقصد بذلك فعل الخير، فلسنا ننكره إلا أنه لا يقر عليه البتة، وهذا لا يجوز أن يكون في شرع شريعة، ولا إيجاب فرض، ولا تحريم، وإنما هو فيما قدره مباحا له، إذ لم ينه عنه قبل ذلك، لكن كفعله بابن أم مكتوم إذ نزلت: * (عبس وتولى) *.
وقد احتج بعضهم ممن أجاز الاجتهاد بالرأي في الدين، بأمر سليمان وداود عليهم السلام: * (إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم) *.
قال أبو محمد: وهذه مسألة اختلف الناس فيها على وجوه، فقوم قالوا:
نسخ الله حكم داود بحكم سليمان عليهما السلام.
(٧٠٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 695 696 697 698 699 700 701 702 703 704 705 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 الباب الثالث والعشرون في استصحاب الحال، وبطلان جميع العقود والعهود والشروط إلا ما أوجبه منها قرآن، أو سنة عن رسول الله (ص) ثابته 590
2 الباب الرابع والعشرون وهو باب الحكم بأقل ما قيل 630
3 الباب الخامس والعشرون في ذم الاختلاف 642
4 الباب السادس والعشرون في أن الحق في واحد وسائر الأقوال كلها باطل 647
5 الباب السابع والعشرون في الشذوذ 661
6 الباب الثامن والعشرون في تسمية الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا وتسمية الفقهاء المذكورين في الاختلاف بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم 663
7 الباب التاسع والعشرون في الدليل 676
8 الباب الموفي ثلاثين في لزوم الشريعة الإسلامية لكل مؤمن وكافر في الأرض ووقت لزوم الشرائع للإنسان 678
9 الباب الحادي والثلاثون في صفه التفقه في الدين، وما يلزم كل امرئ طلبه من دينه، وصفته المفتى الذين له أن يفتى في الدين، وصفة الاجتهاد الواجب على أهل الإسلام 689
10 الباب الثاني والثلاثون في وجوب النيات في جميع الأعمال والفرق بين الخطأ الذي تعمد فعله ولم يقصد به خلاف ما أمر وبين الخطأ الذين لم يتعمد فعله وبين العمل المصحوب بالقصد إليه، وحيث يلحق عمل المرء غيره بأجر أو اثم وحيث لا يلحق 706
11 الباب الثالث والثلاثون في شرائع الأنبياء عليهم السلام قبل محمد (صلى الله عليه وآله) أيلزمنا إتباعها ما لم ننه عنها أم لا يجوز لنا اتباع شئ منها أصلا إلا ما كان منها في شريعتنا وأمرنا نحن به نصا باسمه فقط؟ 722