الاحكام - ابن حزم - ج ٥ - الصفحة ٧٠٣
لو أوجب شيئا في الدين بغير وحي، لكان مفتريا على ربه تعالى، وقد عصمه الله عز وجل من ذلك، وكفر من أجازه عليه، فصح أنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل شيئا إلا بوحي، فسقط الاجتهاد الذي يدعيه أهل الرأي أو القياس جملة. وقال تعالى: * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) فصح بهذه الآية أن كل نبي كان قبله، فهكذا كانوا أيضا، إنما اتبع كل نبي شرعته التي أوحي إليه بها فقط.
وأما أمور الدنيا ومكايد الحروب - ما لم يتقدم نهي عن شئ من ذلك - وأباح الله تعالى له التصرف فيه كيف شاء، فلسنا ننكر أن يدبر عليه السلام كل ذلك على حسب ما يراه صلاحا، فإن شاء الله تعالى إقراره عليه أقره، وإن شاء إحداث منع له من ذلك في المستأنف منع، إلا أن كل ذلك مما تقدم الوحي إليه بإباحته إياه ولا بد.
وأما في التحريم والايجاب فلا سبيل إلى ذلك البتة، وذلك مثل ما أراد النبي (ص أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة فهذا مباح، لان لهم أن يهبوا من أموالهم ما أحبوا ما لم ينهوا على ذلك، ولهم أن يمنعوه ما لم يؤمروا بإعطائه، وكذلك منازله صلى الله عليه وسلم في حروبه، له أن ينزل من الأرض حيث شاء، ما لم ينه عن مكان بعينه، أو يؤمر بمكان بعينه، وكذلك قوله السلام في تلقيح ثمار أهل المدينة، لأنه مباح للمرء أن يلقح نخله ويذكر تينه، ومباح أن يترك فلا يفعل شيئا من ذلك.
وقد أخبرني محمد بن عبد الله الهمداني عن أبيه: أنه ترك تينه سنين دون تذكير فاستغنى عن التذكير، فلعل النخل كذلك، لو توبع عليه ترك التلقيح سنة بعد سنة لاستغنى عن ذلك. وهذا كله ليس من أمور الدين الواجبة والمحرمة في شئ، إنما هي أشياء مباحة من أمور المعاش، من شاء فعل ومن شاء ترك، وإنما الاجتهاد الممنوع منه ما كان في التحريم والايجاب فقط بغير نص، وقد نص النبي عليه السلام في حديث التلقيح على قولنا. وقال صلى الله عليه وسلم: أنتم أعلم بأمور دنياكم.
وقد حدثنا بهذا الحديث عبد الله بن يوسف بن ناهي، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم، حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وعمر والناقد، وكلاهما عن أسود بن عامر، ثنا حماد بن سلمة، عن هشام
(٧٠٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 698 699 700 701 702 703 704 705 706 707 708 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 الباب الثالث والعشرون في استصحاب الحال، وبطلان جميع العقود والعهود والشروط إلا ما أوجبه منها قرآن، أو سنة عن رسول الله (ص) ثابته 590
2 الباب الرابع والعشرون وهو باب الحكم بأقل ما قيل 630
3 الباب الخامس والعشرون في ذم الاختلاف 642
4 الباب السادس والعشرون في أن الحق في واحد وسائر الأقوال كلها باطل 647
5 الباب السابع والعشرون في الشذوذ 661
6 الباب الثامن والعشرون في تسمية الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا وتسمية الفقهاء المذكورين في الاختلاف بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم 663
7 الباب التاسع والعشرون في الدليل 676
8 الباب الموفي ثلاثين في لزوم الشريعة الإسلامية لكل مؤمن وكافر في الأرض ووقت لزوم الشرائع للإنسان 678
9 الباب الحادي والثلاثون في صفه التفقه في الدين، وما يلزم كل امرئ طلبه من دينه، وصفته المفتى الذين له أن يفتى في الدين، وصفة الاجتهاد الواجب على أهل الإسلام 689
10 الباب الثاني والثلاثون في وجوب النيات في جميع الأعمال والفرق بين الخطأ الذي تعمد فعله ولم يقصد به خلاف ما أمر وبين الخطأ الذين لم يتعمد فعله وبين العمل المصحوب بالقصد إليه، وحيث يلحق عمل المرء غيره بأجر أو اثم وحيث لا يلحق 706
11 الباب الثالث والثلاثون في شرائع الأنبياء عليهم السلام قبل محمد (صلى الله عليه وآله) أيلزمنا إتباعها ما لم ننه عنها أم لا يجوز لنا اتباع شئ منها أصلا إلا ما كان منها في شريعتنا وأمرنا نحن به نصا باسمه فقط؟ 722