تفسير أبي السعود - أبي السعود - ج ٩ - الصفحة ١٧٥
هو الجبل الذي ناجى عليه موسى ربه وسينين وسيناء علمان للموضع الذي هو فيه ولذلك أضيف إليهما وسينون كبيرون في جواز الإعراب بالواو والياء والإقرار على الياء وتحريك النون بالحركات الإعرابية «وهذا البلد الأمين» أي الآمن من أمن الرجل أمانة فهو أمين وهو مكة شرفها الله تعالى وأمانتها أنها تحفظ من دخلها كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالآمن في قوله تعالى «حرما آمنا» بمعنى ذي أمن ووجه الإقسام بهاتيك البقاع المباركة المشحونة ببركات الدنيا والدين غنى عن الشرح والتبيين «لقد خلقنا الإنسان» أي جنس الإنسان «في أحسن تقويم» أي كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى حيث برأه الله تعالى مستوى القامة متناسب الأعضاء متصفا بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والتكلم والسمع والبصر وغير ذلك من الصفات التي هي من أنموذجات من الصفات السبحانية وآثار لها وقد عبر بعض العلماء عن ذلك بقوله خلق آدم على صورته وفي رواية على صورة الرحمن وبنى عليه تحقيق معنى قوله من عرف نفسه فقد عرف ربه وقال إن النفس الإنسانية مجردة ليست حالة في البدن ولا خارجة عنه متعلقة به تعلق التدبير والتصرف تستعمله كيفما شاءت فإذا أرادت فعلا من الأفاعيل الجسمانية تلقيه إلى ما في القلب من الروح الحيواني الذي هو أعدل الأرواح وأصفاها وأقربها منها وأقواها مناسبة إلى عالم المجردات إلقاء روحانيا وهو يلقيه بواسطة ما في الشرايين من الأرواح إلى الدماغ الذي هو منبت الأعصاب التي فيها القوى المحركة للإنسان فعند ذلك يحرك من الأعضاء ما يليق بذلك الفعل من مباديه البعيدة والقريبة فيصدر عنه ذلك بهذه الطريقة فمن عرف نفسه على هذه الكيفية من صفاتها وأفعالها تسنى له أن يترقى إلى معرفة رب العزة عز سلطانه ويطلع على أنه سبحانه منزه عن كونه داخلا في العالم أو خارجا عنه يفعل فيه ما يشاء ويحكم ما يريد بواسطة ما رتبه فيه من الملائكة الذين يستدل على شؤونهم بما ذكر من الأرواح والقوى المرتبة في العالم الإنساني الذي هو نسخة للعالم الأكبر وأنموذج منه وقوله تعالى «ثم رددناه أسفل سافلين» أي جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح وأسفل من كل سافل لعدم جريانه على موجب ما خلقناه عليه من الصفات التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين وقيل رددناه إلى أرذل العمر وهو الهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة كقوله تعالى «ومن نعمره ننكسه في الخلق» وأيا ما كان فأسفل سافلين إما حال من المفعول أي رددناه حال كونه أسفل سافلين أو صفة لمكان محذوف أي رددناه مكانا أسفل سافلين والأول أظهر وقرئ
(١٧٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة