شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج ١٦ - الصفحة ٢٠١
أما بعد، فإن الجاهلية الجهلاء (1)، والضلالة العمياء، والغي الموفد لأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى منها الكبير، كأنكم لم تقرأوا كتاب الله، ولم تستمعوا ما أعد من الثواب الكثير لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمد الذي لا يزول.
أتكونون كمن طرفت عينه (2) الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، وأختار الفانية على الباقية! لا تذكرون (3) أنكم أحدثتم في الاسلام الحدث الذي لم تسبقوا به، من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله (4)، والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، هذا والعدد غير قليل!
ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل (5) وغارة النهار! قربتم القرابة، وباعدتم الذين يعتذرون بغير العذر، ويعطون (6) على المختلس، كل امرئ منكم يذب عن سيفه، صنيع (7) من لا يخاف عاقبه، ولا يرجو معادا. ما أنتم بالحلماء، وقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرمه (8) الاسلام، ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب. حرم على الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا! إني رأيت آخر هذا الامر لا يصلح إلا بما صلح به أوله! لين في غير ضعف، وشده في غير عنف. وأنا أقسم بالله لآخذن الولي بالولي، والظاعن بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل أخاه

(1) الجاهلية الجهلاء، وصف على المبالغة، كما يقال: ليلة ليلاء، ويوم أيوم، وهمج هاج.
(2) طرفت عينه الدنيا، أي صرفته عن الحق.
(3) ا: (أتذكرون).
(4) بعدها في البيان: (وهذه المواخير المنصوبة).
(5) الدلج: السير من أول الليل، وقد أدلجوا، فإن ساروا من اخره فأدلجوا، بالتشديد.
(6) ا والبيان: (ويغضون على المختلس).
(7) ا والطبري: (صنع).
(8) البيان: (حرم الاسلام).
(٢٠١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 29 - من كتاب له عليه السلام إلى أهل البصرة 3
2 30 - من كتاب له عليه السلام إلى معاوية 6
3 31 - من وصية له عليه السلام للحسن ابنه، كتبها إليه بحاضرين عند الفراق من صفين 9
4 ترجمة الحسن بن علي وذكر بعض أخباره 9
5 بعض ما قيل من الشعر في الدهر وفعله بالإنسان 55
6 أقوال حكيمة في وصف الدنيا وفناء الخلق 91
7 بعض ما قيل من الشعر في الغيرة 127
8 اعتزاز الفرزدق بقومه 129
9 وفود الوليد بن جابر على معاوية 130
10 32 - من كتاب له عليه السلام إلى معاوية 132
11 ذكر بعض ما دار بين علي ومعاوية من الكتب 133
12 قثم بن العباس وبعض أخباره 140
13 34 - من كتاب له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر لما بلغه توجده من عزله بالأشتر على مصر 142
14 محمد بن أبي بكر وبعض أخباره 142
15 35 - من كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العباس بعد مقتل محمد ابن أبي بكر 145
16 36 - من كتاب له عليه السلام إلى أخيه عقيل بن أبي طالب في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء 148
17 37 - من كتاب له عليه السلام إلى معاوية 153
18 38 - من كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر لما ولى عليهم الأشتر 156
19 39 - من كتاب له عليه السلام إلى عمرو بن العاص 160
20 40 - من كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله 164
21 41 - من كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله أيضا 167
22 اختلاف الرأي فيمن كتبه له هذا الكتاب 169
23 42 - من كتاب له عليه السلام إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي 173
24 عمر بن أبي سلمة ونسبه وبعض أخباره 173
25 النعمان بن عجلان ونسبه وبعض أخباره 174
26 43 - من كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني، وكان عامله على أردشير خرة 175
27 44 - من كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه، وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته واستلحاقه 177
28 نسب زياد بن أبيه وذكر بعض أخباره وكتبه وخطبه 179
29 45 - من كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة 205
30 عثمان بن حنيف ونسبه 205
31 ذكر ما ورد من السير والأخبار في أمر فدك وفيه فصول: الفصل الأول فيما ورد من الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم 210
32 الفصل الثاني في النظر في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل يورث أم لا؟ 237
33 الفصل الثالث في أن فدك هل صح كونها نحلة رسول الله لفاطمة أم لا 268