تفسير القرطبي - القرطبي - ج ١٦ - الصفحة ٣٤
" ويعلم " بالرفع، الباقون بالنصب. فالرفع على الاستئناف بعد الشرط والجزاء، كقوله في سورة التوبة: " ويخزهم (1) وينصركم عليهم " [التوبة: 14] ثم قال: " ويتوب الله على من يشاء " [التوبة: 15] رفعا.
ونظيره في الكلام: إن تأتني آتك وينطلق عبد الله. أو على أنه خبر ابتداء محذوف. والنصب على الصرف، كقوله تعالى: " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " (2) [آل عمران: 142] صرف من حال الجزم إلى النصب استخفافا كراهية لتوالي الجزم، كقول النابغة:
فإن يهلك أبو قابوس يهلك * ربيع الناس والشهر الحرام (3) ويمسك بعده بذناب عيش * أجب الظهر ليس له سنام (4) وهذا معنى قول الفراء، قال: ولو جزم " ويعلم " جاز. وقال الزجاج: نصب على إضمار " أن " لان قبلها جزما، تقول: ما تصنع أصنع مثله وأكرمك. وإن شئت قلت: وأكرمك بالجزم. وفي بعض المصاحف " وليعلم ". وهذا يدل على أن النصب بمعنى: وليعلم أو لان يعلم. وقال أبو علي والمبرد: النصب بإضمار " أن " على أن يجعل الأول في تقدير المصدر، أي ويكون منه عفو وأن يعلم، فلما حمله. على الاسم أضمر أن، كما تقول: إن تأتني وتعطيني أكرمك، فتنصب تعطيني، أي إن يكن منك إتيان وأن تعطيني. ومعنى " من محيص " أي من فرار ومهرب، قاله قطرب. السدي: من ملجأ وهو مأخوذ من قولهم: حاص به البعير حيصة إذا رمى به. ومنه قولهم: فلان يحيص عن الحق أي يميل عنه.
قوله تعالى: فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36)

(1) آية 14 (2) آية 142 سورة آل عمران.
(3) أبو قابوس: كنيته النعمان بن المنذر، يريد أنه كان كالربيع في الخصب لمجتديه، وكالشهر الحرام لجاره، أي لا يوصل إلى من أجاره. والمعنى: إن يمت النعمان يذهب خير الدنيا لأنها كانت تعمر به وبجوده وعدله ونفعه للناس، ومن كان في ذمته وسلطانه فهو آمن على نفسه محقون الدم كما يأمن الناس في الشهر الحرام على أموالهم ودمائهم.
(4) ذناب كل شئ: عقبه ومؤخره. وأجب الظهر مقطوع السنام. يقول: إن مات بقينا في طرف عيش قد مضى صدره ومعظمه وختره، وقد بقي منه ذنبه.
(٣٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 ... » »»
الفهرست