تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٥ - الصفحة ٢١٥
فالحق أن البيان الواقع في الآية بيان تام جامع لا حاجة معه إلى شئ من هذه الوجوه البتة.
قوله تعالى: " الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا " اتصال الآية بما قبلها من الآيات على ما لها من السياق يعطي أن هؤلاء القادحين في القرآن استنتجوا من قدحهم ما لا يليق بمقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكروه واصفين له بسوء المكانة وضلال السبيل فلم يذكره الله تعالى في ضمن ما حكي من قولهم في القرآن صونا لمقام النبوة أن يذكر بسوء، وإنما أشار إلى ذلك في ما أورد في هذه الآية من الرد ليهم بطريق التكنية.
فقوله: " الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم " كناية عن الذين كفروا القادحين في القرآن الواصفين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بما وصفوا، والكناية أبلغ من التصريح.
فالمراد أن هؤلاء القادحين في القرآن الواصفين لك هم شر مكانا وأضل سبيلا لا أنت فالكلام مبني على قصر القلب، ولفظتا " شر " و " أضل " منسلختان عن معنى التفضيل أو مفيدتان على التهكم ونحوه.
وقد كني عنهم بالمحشورين على وجوههم إلى جهنم وهو وصف من أضله الله من المتعنتين المنكرين للمعاد كما قال تعالى: " ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأوا هم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا " الخ، أسرى: 98.
ففي هذه التكنية مضافا إلى كونها أبلغ، تهديد لهم بشر المكان وأليم العذاب وأيضا هي في معنى الاحتجاج على ضلالهم إذ لا ضلال أضل من أن يسير الانسان على وجهه وهو لا يشعر بما في قدامه، وهذا الضلال الذي في حشرهم على وجوههم إلى جهنم مثل للضلال الذي كان لهم في الدنيا فكأنه قيل: إن هؤلاء هم الضالون فإنهم محشورون على وجوههم، ولا يبتلى بذلك إلا من كان ضالا في الدنيا.
وقد اختلفت كلماتهم في وجه اتصال الآية بما قبلها فسكت عنه بعضهم، وذكر في مجمع البيان أنهم قالوا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين: أنهم شر خلق الله فقال الله تعالى:
(٢١٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 ... » »»
الفهرست