تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٢ - الصفحة ٢٦٠
وإرادة تكوينية الهية فنجعلك مسيطرا عليهم وعلى كل شئ بل لامرين أحدهما ان تبين للناس ما نزل تدريجا إليهم لان المعارف الإلهية لا ينالها الناس بلا واسطة فلا بد من بعث واحد منهم للتبيين والتعليم وهذا هو غرض الرسالة ينزل إليه الوحي فيحمله ثم يؤمر بتبليغه وتعليمه تبيينه.
والثاني رجاء أن يتفكروا فيك فيتبصروا ان ما جئت به حق من عند الله فان الأوضاع المحيطة بك والحوادث والأحوال الواردة عليك في مدى حياتك من اليتم وخمود الذكر والحرمان من التعلم والكتابة وفقدان مرب صالح والفقر والاحتباس بين قوم جهلة اخساء صفر الأيدي من مزايا المدنية وفضائل الانسانية كانت جميعا أسبابا قاطعة ان لا تذوق من عين الكمال قطرة ولا تقبض من عرى السعادة على مسكة لكن الله سبحانه انزل إليك ذكرا تتحدى به على الجن والإنس مهيمنا على سائر الكتب السماوية تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبرهانا ونورا مبينا.
فالتفكر فيك نعم الدليل الهادي إلى أن ليس لك فيما جئت به صنع ولا لك من الامر شئ وان الله أنزله بعلمه وأيدك لذلك بقدرته من غير أن يداخله من الأسباب العادية شئ.
هذا ما تفيده الآية الكريمة نظرا إلى سياقها وسياق ما قبلها ومحصله ان قوله لتبين الخ غاية للانزال لا لنفسه بل من حيث تعلقه بشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وان متعلق يتفكرون المحذوف هو نحو قولنا فيك لا قولنا في الذكر.
لكن القوم ذكروا ان قوله لتبين غاية للانزال وان المراد بالتفكر التفكر في الذكر ليعلم بذلك انه حق ومعنى الآية على هذا وأنزلنا إليك الذكر أي القرآن لتبين للناس كافة ما نزل إليهم في ذلك الذكر من أصول المعارف والاحكام والشرائع وأحوال الأمم الماضية وما جرى فيهم من سنة الله تعالى ولرجاء ان يتفكروا في الذكر فيهتدوا إلى أنه حق من عند الله أو يتفكروا فيما تبينه لهم.
وأنت خبير بأن لازم ذلك اولا شبه تحصيل الحاصل في انزاله إليه ليبين لهم ما نزل إليهم والانزال واحد ولا مدفع له الا ان يغير النظم إلى مثل قولنا وأنزلنا إليك الذكر لتبينه لهم.
(٢٦٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 ... » »»
الفهرست