دراسات في نهج البلاغة - محمد مهدي شمس الدين - الصفحة ٢١٥
فهذا المجتمع قبلي يدين لرؤسائه بالطاعة المطلقة.
وهؤلاء الرؤساء يطمحون إلى مزيد من القوة والسلطان والغنى والمنزلة الاجتماعية ولا يجدون شيئا منها عند الامام بينما هم يجدونها عند معاوية كما يشتهون.
ويقول هؤلاء الرؤساء إن حكومة معاوية خير من حكومة علي وهي خير لهم بلا إشكال، وتسمع القبيلة كلها مقالة زعيمها فتدين بها، غير واعية أن حكومة معاوية ان كانت خيرا لرؤسائها فحكومة علي خير لها، وذلك لأن هذه تستن المساواة سياسة لهما بينما تستن تلك سياسة الأثرة، وهم لا يعون هذا، لأنهم ينظرون إلى الأمور بالمنظار الذي ينظر به الرؤساء.
على هذا النحو كانت سياسة معاوية تؤثر في العراق، وقد وعى ذلك جماعة من المخلصين للامام فقالوا له:
(يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال، وفضل هؤلاء الاشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم واستمل من تخاف خلافه من الناس) (1).
ناظرين إلى ما يصنع معاوية، ولم يكن رؤساء القبائل العربية في العراق يطمعون بأكثر من هذا، ولكن الامام أجابهم قائلا: (أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ والله ما أطور به ما سمر سمير (2)، وما أم نجم في السماء نجما (3)، لو كان المال لي لسويت

(1) شرح النهج، 1 - 182.
(2) ما أطور.: من (طار يطور حول الشئ) إذا حام حوله، أي: ما أمر به، ولا أقاربه (ما سمر سمير) أي مدى الدهر، وهو مثل. قالوا: السمير هو الدهر.
(3) أم: قصد: أي ما قصد نجم نجما.
(٢١٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 ... » »»
الفهرست