بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٤ - الصفحة ٣٤٩
أقول: أوردت أخبارا كثيرة من هذا الباب في المجلد السابع في باب أنهم الحجة على جميع العوالم وجميع المخلوقات.
46 - وروى الكفعمي والبرسي في فضل الدعاء المعروف بالجوشن الكبير بإسناديهما عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال له جبرئيل:
والذي بعثك بالحق نبيا إن خلف المغرب أرضا بيضاء فيها خلق من خلق الله يعبدونه ولا يعصونه، وقد تمزقت لحومهم ووجوههم من البكاء، فأوحى الله إليهم: لم تبكون ولم تعصوني طرفة عين؟ قال: نخشى أن يغضب الله علينا ويعذبنا بالنار قال علي عليه السلام: قلت: يا رسول الله! ليس هناك إبليس أو أحد من بني آدم؟ فقال:
والذي بعثني بالحق نبيا ما يعلمون أن الله خلق آدم ولا إبليس، ولا يحصي عددهم إلا الله، ومسير الشمس في بلادهم أربعون يوما لا يأكلون ولا يشربون (1) (الخبر).
تذنيب:
اعلم أن الأخبار الواردة في هذا الباب غريبة وبعضها غير معتبرة الأسانيد كروايات البرسي وجامع الأخبار، والمأخوذ من الكتاب القديم، وبعضها معتبرة مأخوذة من أصول القدماء، وليس ما تتضمنها بعيدا من قدرة الله تعالى (2).

(١) قد حاول بعض علماء العصر تطبيق هذه الأرض على الكوكبة المكتشفة أخيرا المسماة ب‍ (فلكان) بتقريب انها لمكان قربها من الشمس أنور الكواكب ولذا وصف بأنها بيضاء، ولما كانت تدور حول الشمس في عشرين يوما وكل يوم مشتمل على نهار وليلة وكثيرا ما يطلق اليوم على النهار فقط صح ان يقال إنها تدور حول الشمس أربعين يوما وأنت خبير بأن الرواية تأبى عن هذه التكلفات والتعسفات كل الاباء، فان ظاهر قوله (مسير الشمس في بلادهم أربعون يوما) ان اليوم في بلادهم يساوى أربعين يوما في بلادنا لا أن السنة فيها تساوى أربعين يوما، على أن هذه الكوكبة لشدة حرارتها غير قابلة لنشوء موجود حي فيها إلا أن يكون المراد باهلها الملائكة بقرينة قوله (لا يأكلون ولا يشربون) فتأمل.
(٢) الاخبار الموردة في هذا الباب مع قطع النظر عن ضعافها التي لا يوثق بصدورها لا تجرى جميعا مجرى واحدا في المضمون والدلالة، والتعرض لكل واحد منها على حدة والتدقيق في ما يشتمل عليه من الدقائق وتحقيق ما تشير إليه من الحقائق يؤدى إلى تطويل ممل لكن لا بأس بالإشارة إلى مهام ما يستفاد منها وهي أمور:
الأول: ان خلق الله تبارك وتعالى لا ينحصر في أبينا آدم وذريته، فقد خلق قبله خلائق كثيرة وسيخلق بعد انقراضهم أيضا، قال عليه السلام (أو ترى ان الله عز وجل لم يخلق بشرا غيركم؟
بلى والله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم) وقال عليه السلام (لعلكم ترون أنه إذا كان يوم القيامة.. لا يعبد في بلاده ولا يخلق خلقا يعبدونه ويوحدونه؟..) إلى غير ذلك.
الثاني: ان وراء هذه المنظومة الشمسية المشتملة على شمس وارض وكواكب وأقمار منظومات شمسية أخرى مشتملة على شموس وكواكب وأقمار كثيرة وأن لها أهلين في الجملة قال عليه السلام (ان وراء عين شمسكم هذه أربعين عين شمس: وان وراء قمركم أربعين قمرا) وقال عليه السلام لما نظر إلى السماء (هذه قبة أبينا آدم وان لله عز وجل سواها تسعة وثلاثين قبة فيها خلق ما عصوا الله طرفة عين) وغير خفى على اللبيب المتأمل ان إظهار هذا المعنى في عصر لم يكن يتوهم أحد ذلك ولا يقبله لولا تسليمه لائمة الدين وأهل بيت العصمة واليقين كاشف عن اعتماد القائلين على مبدء علمي الهى، واخذهم من منبع غزير رباني، وإلا فمن كان يجترئ على التفوه بان عبر الشمس التي كان بزعم انها مركوزة في الفلك الرابع والقمر الذي كان يزعم أنه مركوز في الفلك الأول تكون شموس وأقمار أخرى؟ وهذا لعمر الحق من أعظم الكرامات، وأدل الدلائل على امامة أهل البيت عليهم السلام، وقد كان هذا العلم مخزونا في كتب الشيعة مكنونا عنه أهله حتى كشف التجاوب العلمية والمكبرات العظيمة النقاب عن وجهه والغطاء عن سره.
الثالث: أن وراء هذا العالم المادي عوالم أخرى تغيب عن حواسنا، ولا تنالها علومنا المتعارفة، وهي محيطة بهذا العالم نحو إحاطة، وباطنة فيه نحو بطون، وخارجة عنه نحو خروج وقد أراها الله بعض أوليائه وعباده الصالحين وهو على ما يشاء قدير.
قال زين العابدين عليه السلام للمنجم: (هل أدلك على رجل قد مر مذ دخلت علينا في أربع عشر عالما كل عالم أكبر من الدنيا ثلاث مرات لم يتحرك من مكانه؟!) فان المرور في تلك العوالم الكبيرة في زمن يسير في الغاية مع عدم التحرك من المكان إنما يتصور بغير هذا البدن المادي الذي لا يمكن أن يسير إلا بالحركة والانتقال، وفي عوالم خارجة من عالم المادة، مطلقة من قيودها وحدودها. وقال الصادق عليه السلام في بيان حال أهل المدينتين (وطعامهم التسبيح) فان ذلك ليس من شأن الموجود المادي، ويمكن أن يكون حديث إراءة الملكوت لجابر وحديث خيام رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام وما ضاهاهما أيضا ناظرة إلى هذه العوالم والله أعلم.
وبالجملة يستفاد من هذه الروايات ان تلك العوالم أشرف وألطف من عالم المادة وإن لم تخل عن المقادير والعوارض الجسمانية مطلقا، فتنطبق على عالم المثال، لكن لا يوجب ذلك اثبات جميع الخواص التي يأتي نقلها عن شارح المقاصد لها، فان جلها لا يخلو عن مناقشة كظهور الصور المثالية في المرآة وادراكها عند غلبة الخوف والأمراض، فان ما يصح من ذلك إنما هو من خواص المثال الأصغر الذي هو من مراتب النفس الانسانية والكلام في العوالم الخارجية وما يجئ من طعن العلامة المؤلف رحمه الله على هذا القول إنما هو للالتزام بهذه الخصوصيات والا فهو لا ينكر الموجود المثالي رأسا، كيف وقد أذعن بصراحة روايات كثيرة في اثباته، وبه صحح كثيرا من المسائل الاعتقادية كما أشار إلى بعضها في ذيل هذا الباب.
(٣٤٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 تعريف الكتاب تعريف الكتاب 1
2 * أبواب * * كليات أحوال العالم وما يتعلق بالسماويات * * الباب الأول * حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الأمور 2
3 تفسير الآيات، وبحث وتحقيق حول: " خلق السماوات والأرض في ستة أيام " 6
4 تحقيق في خلق الأرض قبل السماء، أم السماء قبلها 22
5 معنى الحدوث والقدم 31(ه‍)
6 اخبار وخطب في التوحيد 32
7 فيما قاله الرضا عليه السلام لعمران الصابي، وفيه بيان 47
8 الدليل على حدوث الأجسام 62
9 في أن أول ما خلقه الله النور 73
10 في خلق الأشياء 77
11 تفسير قوله تعالى: " وكان عرشه على الماء " 95
12 في إماتة الخلق 104
13 الخطبة التي خطبها أمير المؤمنين (ع) في التوحيد وخلق الأشياء، وفيها بيان 106
14 الخطبة التي خطبها علي عليه السلام، ويذكر فيه ابتداء خلق السماوات... 176
15 في خلق الأشياء من الأنوار الخمسة الطيبة عليهم السلام 192
16 في أن أول ما خلق الله تعالى نور حبيبه محمد صلى الله عليه وآله 198
17 في أن الله تعالى خلق أرض كربلا قبل أن يخلق أرض الكعبة، ودحي الأرض من تحتها 202
18 بيان في علة تخصيص الستة أيام بخلق العالم، وتحقيق حول: اليوم، والسنة القمرية والشمسية، ومعنى الأسبوع في خلق الله 216
19 في بيان معاني الحدوث والقدم 234
20 في تحقيق الأقوال في ذلك 238
21 في كيفية الاستدلال بما تقدم من النصوص 254
22 الدلائل العقلية، وبطلان التسلسل 260
23 في دفع بعض شبه الفلاسفة الدائرة على ألسنة المنافقين والمشككين 278
24 بحث وتحقيق في أول المخلوقات 306
25 بحث وتحقيق ورفع اشكال عن آيات سورة السجدة... 309
26 * الباب الثاني * العوالم ومن كان في الأرض قبل خلق آدم عليه السلام ومن يكون فيها... 316
27 معنى قوله تعالى: " وممن خلقنا أمة يهدون بالحق " والأقوال في هذه الأمة 316
28 في عدد مخلوقات الله تعالى 318
29 في الجن والنسناس 323
30 جابلقا وجابرسا، وقول الصادق عليه السلام: من وراء شمسكم أربعين شمس 329
31 فيما سئله موسى عليه السلام عن بدء الدنيا 331
32 بحث وتحقيق رشيق حول اخبار العوالم وجابلقا وجابرسا، وفي الذيل ما يناسب المقام 349
33 بحث حول عالم المثال 354
34 العلة التي من أجلها سميت الدنيا دنيا والآخرة آخرة 355
35 * الباب الثالث * القلم، واللوح المحفوظ، والكتاب المبين، والامام المبين، وأم الكتاب 357
36 تفسير الآيات 358
37 في اللوح المحفوظ والقلم 362
38 في أن اللوح من درة بيضاء 376