شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني - ج ٢ - الصفحة ٧٣
ومنها: اللسان فإنه منزل لتلاوته وقراءته بالترتيل والتعليم كما قال سبحانه: (ورتل القرآن ترتيلا)، وقال الصادق (عليه السلام): «اقرؤوا كما علمتم» (1).
ومنها: القلب، وهو أعظم منازله، فإن المطلب الأعلى والمقصد الأقصى في سيره من عند الملك الجبار إلى هذا العالم وهو نزوله في هذا المنزل وقيامه فيه بالأمر والنهي وتعليم النفس الإنسانية وتربيتها فوجب عليها استقباله والقيام بتعظيمه والإقبال إلى ما جاء به والتدبر في أحكامه وحلاله وحرامه وسننه ومواعظه ونصائحه والتفكر فيما نطق به من أحوال المبدأ والمعاد وأحوال ما كان وما يكون وأحوال الامم الماضية والقرون السالفة وكيفية أخذهم وإهلاكهم بسبب العصيان والاعتبار بحالهم حتى تستعد بذلك للرجوع من حضيض النقصان إلى أوج الكمال، ومن منازل الهجران إلى مقام الوصال، فلو أعرضت عنه ولم تستقبله عند نزوله في منزل اللسان ولم تنزله في منزل القلب والجنان ولم تستمع إلى ما جاء به ولم تتدبر فيه فات عنها الحظ الأوفر والخير الأكثر وحصل لها الخير القليل بتلاوة اللسان ومشاهدة البصر، بل هي مستحقة للتعذيب والتأديب; لأنها بمنزلة من عصى الملك العظيم ومنع رسوله الكريم من الوصول إلى غاية مقاصده أو بمنزلة منافق يتكلم بالحق ظاهرا ويغفل عنه باطنا، وقيل: هذه الفقرة متعلقة بالفقرة الثانية فإن من تدبر في قراءة القرآن وما فيه من إهلاك قوم بالمعاصي ومسخ آخرين علم أنه لا ينبغي لأحد أن يؤمن عباد الله من عذابه وأن يرخص لهم في معاصيه.
(ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكر) لأن الغرض من العبادة هو التقرب للمعبود وطلب رضاه والوصول إليه والقطع عما عداه، وذلك لا يتحقق بمجرد اشتغال الجوارح بما يليق به مما هو آلة لذلك التقرب بدون يقظة القلب وتفكره فإن قلب غير المتفكر مظلم لا يهتدي إلى الحق دليلا ولا إلى الوصول إليه سبيلا بخلاف ما إذا تفكر فإنه يطلع حينئذ شوارق المعارف من مشارقه وينكشف الحجاب عنه فينظر إلى وجوه مطالبه ويرى خيره وشره ومنافعه ومضاره ويأخذ عنان الطبيعة عن يد النفس الأمارة بالسوء ويسعى في سبيل ربه ومرضاته حتى يبلغ غاية مقاصده ومتمنياته وفيه تفضيل العالم المتفكر في أمر العبادة وأجزائها وأحكامها وشرائطها ومصالحها ومنافعها وفي أحوال المعبود وصفاته اللائقة به على العابد كما مر مرارا، فمن آثر العبادة على العلم والتفكر والحركات البدنية على الحركات الفكرية فقد آثر الأدنى على الأعلى والأخس على الأشرف.

1 - المصدر، تحت رقم 15.
(٧٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 ... » »»
الفهرست