تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١١ - الصفحة ١٥٨
فقد تبين ان شيئا من هذه الأمور ليس من شأنه ان يقوم مقام التوحيد ولا ان يخلفه في صد الانسان عن المعصية ونقض السنن والقوانين وخاصة إذا كان العمل مما من طبعه ان لا يظهر للناس وخاصة إذا كان من طبعه ان لو ظهر ظهر على خلاف ما هو عليه لأسباب تقتضي ذلك كالتعفف الذي يزعم أنه كان شرها وبغيا كما تقدم من حديث مراودة امرأة العزيز يوسف (ع) وقد كان امره يدور بين خيانة العزيز في امرأته وبين اتهام المرأة إياه عند العزيز بقصدها بالسوء فلم يمنعه (ع) ولا كان من الحري ان يمنعه شئ الا العلم بمقام ربه.
2 - يحصل التقوى الديني بأحد أمور ثلاثة وان شئت فقل انه سبحانه يعبد بأحد طرق ثلاثة الخوف والرجاء والحب قال تعالى: " في الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور " الحديد: 20 فعلى المؤمن ان يتنبه لحقيقة الدنيا وهى انها متاع الغرور كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فعليه ان لا يجعلها غاية لاعماله في الحياة وان يعلم أن له وراءها دارا وهى الدار الآخرة فيها ينال غاية أعماله وهى عذاب شديد للسيئات يجب ان يخافه ويخاف الله فيه ومغفرة من الله قبال أعماله الصالحة يجب ان يرجوها ويرجو الله فيها ورضوان من الله يجب ان يقدمه لرضى نفسه.
وطباع الناس مختلفة في ايثار هذه الطرق الثلاثة واختيارها فبعضهم وهو الغالب يغلب على نفسه الخوف وكلما فكر فيما اوعد الله الظالمين والذين ارتكبوا المعاصي والذنوب من أنواع العذاب الذي أعد لهم زاد في نفسه خوفا ولفرائصه ارتعادا ويساق بذلك إلى عبادته تعالى خوفا من عذابه.
وبعضهم يغلب على نفسه الرجاء وكلما فكر فيما وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من النعمة والكرامة وحسن العاقبة زاد رجاء وبالغ في التقوى والتزام الأعمال الصالحات طمعا في المغفرة والجنة.
وطائفة ثالثا وهم العلماء بالله لا يعبدون الله خوفا من عقابه ولا طمعا في ثوابه وانما يعبدونه لأنه أهل للعبادة وذلك لانهم عرفوه بما يليق به من الأسماء الحسنى والصفات العليا فعلموا انه ربهم الذي يملكهم وإرادتهم ورضاهم وكل شئ غيرهم ويدبر الامر
(١٥٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 ... » »»
الفهرست