تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٥ - الصفحة ٣١٩
ومنهم من قال: إن تخصيص القلب بالانزال لان المعاني الروحانية تنزل أولا على الروح ثم تنتقل منها إلى القلب لما بينهما من التعلق ثم تنتقل منه إلى الدماغ فينتقش بها لوح المتخيلة.
ومنهم من قال: إن تخصيصه به للإشارة إلى كمال تعقله صلى الله عليه وآله وسلم حيث لم يعتبر الوسائط من سمع وبصر وغيرهما.
ومنهم من قال: إن ذلك للإشارة إلى صلاح قلبه صلى الله عليه وآله وسلم وتقدسه حيث كان منزلا لكلامه تعالى ليعلم به صلاح سائر أجزائه وأعضائه فإن القلب رئيس سائر الأعضاء وملكها وإذا صلح الملك صلحت رعيته.
ومنهم من قال: إن ذلك لان الله تعالى جعل لقلب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم سمعا وبصرا مخصوصين يسمع ويبصر بهما تمييزا لشأنه من غيره كما يشعر به قوله تعالى: " ما كذب الفؤاد ما رأى " النجم: 11.
وهذه الوجوه مضافا على اشتمال أكثرها على المجازفة مبنية على قياس هذه الأمور الغيبية على ما عندنا من الحوادث المادية وإجراء حكمها فيها وقد بلغ من تعسف بعضهم أن قال: إن معنى إنزال الملك القرآن أن الله ألهمه كلامه وهو في السماء وعلمه قراءته ثم الملك أداه في الأرض وهو يهبط في المكان وفي ذلك طريقتان: إحداهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية فأخذه من الملك، وثانيتهما أن الملك انخلع إلى صورة البشرية حتى يأخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأولى أصعب الحالين. انتهى.
وليت شعري ما الذي تصوره من انخلاع الانسان من صورته إلى صورة الملكية وصيرورته ملكا ثم عوده إنسانا ومن انخلاع الملك إلى صورة الانسانية وقد فرض لكل منهما هوية مغايرة للآخر لا رابطة بين أحدهما والآخر ذاتا وأثرا وفي كلامه مواضع أخرى للنظر غير خفية على من تأمل فيه.
وللبحث تتمة لعل الله سبحانه يوفقنا لاستيفائه بإيراد كلام جامع في الملك وآخر في الوحي.
وقوله: " لتكون من المنذرين " أي من الداعين إلى الله سبحانه التخويف من عذابه وهو المراد بالانذار في عرف القرآن دون النبي أو الرسول بالخصوص، قال
(٣١٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 ... » »»
الفهرست