تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٥ - الصفحة ٣١٨
ولو كان رؤيته وسمعه بالبصر والسمع الماديين لكان ما يجده مشتركا بينه وبين غيره فكان سائر الناس يرون ما يراه ويسمعون ما يسمعه، والنقل القطعي يكذب ذلك فكثيرا ما كان يأخذه برجاء الوحي وهو بين الناس فيوحى إليه ومن حوله لا يشعرون بشئ ولا يشاهدون شخصا يكلمه ولا كلاما يلقى إليه.
والقول بأن من الجائز أن يصرف الله تعالى حواس غيره صلى الله عليه وآله وسلم من الناس عن بعض ما كانت تناله حواسه وهي الأمور الغيبية المستورة عنا.
هدم لبنيان التصديق العلمي إذ لو جاز مثل هذا الخطأ العظيم على الحواس وهي مفتاح العلوم الضرورية والتصديقات البديهية وغيرها لم يبق وثوق على شئ من العلوم والتصديقات.
على أن هذا الكلام مبني على أصالة الحس وأن لا وجود إلا لمحسوس وهو من أفحش الخطأ وقد تقدم في تفسير سورة مريم كلام في معنى تمثل الملك نافع في المقام.
وربما قيل في وجه تخصيص القلب بالانزال أنه لكونه هو المدرك المكلف دون الجسد وإن كان يتلقى الوحي بتوسيط الادوات البدنية من السمع والبصر، وقد عرفت ما فيه.
وربما قيل: لما كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم جهتان: جهة ملكية يستفيض بها، وجهة بشرية يفيض بها، جعل الانزال على روحه لأنها المتصفة بالصفات الملكية التي يستفيض بها من الروح الأمين، وللإشارة إلى ذلك قيل: " على قلبك " ولم يقل: عليك مع كونه أخصر. انتهى.
وهذا أيضا مبني على مشاركة الحواس والقوى البدنية في تلقي الوحي فيرد عليه ما قدمناه.
وذكر جمع من المفسرين أن المراد بالقلب هو العضو الخاص البدني وأن الادراك كيفما كان من خواصه.
فمنهم من قال: إن جعل القلب متعلق الانزال مبني على التوسع لان الله تعالى يسمع القرآن جبريل بخلق الصوت فيحفظه وينزل به على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويقرؤه عليه فيعيه ويحفظه بقلبه فكأنه نزل به لي قلبه.
(٣١٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 ... » »»
الفهرست