تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٤ - الصفحة ١٤٢
كلمة التوحيد المذكورة قبله لان وجوب عبادته تعالى وإن كان بحسب نفسه متفرعا على توحده لكنه لا يؤثر أثرا لولا ثبوت يوم يجزى فيه الانسان بما عمله ويتميز فيه المحسن من المسئ والمطيع من العاصي فيكون التشريع لغوا والامر والنهي سدى لا أثر لهما، ولذلك كانت مقضية قضاء حتما وتكرر في كلامه تعالى نفي الريب عنها.
وقوله: " أكاد أخفيها " ظاهر إطلاق الاخفاء أن المراد يقرب أن أخفيها وأكتمها فلا أخبر عنها أصلا حتى يكون وقوعها أبلغ في المباغتة وأشد في المفاجأة ولا تأتي إلا فجأة كما قال تعالى: " لا تأتيكم إلا بغتة " الأعراف: 187، أو يقرب أن لا أخبر بها حتى يتميز المخلصون من غيرهم فإن أكثر الناس إنما يعبدونه تعالى رجاء في ثوابه أو خوفا من عقابه جزاء للطاعة والمعصية، وأصدق العمل ما كان لوجه الله لا طمعا في جنة أو خوفا من نار ولو أخفى وكتم يوم الجزاء تميز عند ذلك من يأتي بحقيقة العبادة من غيره.
وقيل: معنى أكاد أخفيها أقرب من أن أكتمها من نفسي وهو مبالغة في الكتمان إذا أراد أحدهم المبالغة في كتمان شئ قال: كدت أخفيه من نفسي أي فكيف أظهره لغيري؟ وعزي إلى الرواية.
وقوله: " لتجزى كل نفس بما تسعى " متعلق بقوله: " آتية " والمعنى واضح.
قوله تعالى: " فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى " الصد الصرف، والردى الهلاك، والضميران في " عنها " و " بها " للساعة، ومعنى الصد عن الساعة الصرف عن ذكرها بما لها من الشأن وهو أنها يوم تجزى فيه كل نفس بما تسعى، وكذا معنى عدم الايمان بها هو الكفر بها بما لها من الشأن.
وقوله: " واتبع هواه " كعطف التفسير بالنسبة إلى قوله: " من لا يؤمن بها " أي إن عدم الايمان بها مصداق اتباع الهوى وإذ كان مع ذلك صالحا للتعليل أفاد الكلام عليه الهوى لعدم الايمان بها، واستفيد من ذلك بالالتزام أن الايمان بالساعة هو الحق المخالف للهوى والمنجي من الردى.
فمحصل معنى الآية أنه إذا كانت الساعة آتية والجزاء واقعا فلا يصرفنك عن الايمان بها وذكرها بما لها من الشأن الذين اتبعوا أهواءهم فصاروا يكفرون بها
(١٤٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 ... » »»
الفهرست