تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٢ - الصفحة ٢٣٨
قوله تعالى: " وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ " الخ الذي تورده الآية شبهة على النبوة من الوثنيين المنكرين لها ولذلك عرفهم بنعتهم الصريح حيث قال وقال الذين أشركوا ولم يكتف بالضمير ولم يقل وقالوا كما في الآيات السابقة ليعلم ان الشبهة لهم بعينهم.
وقوله لو شاء الله ما عبدنا جملة شرطية حذف فيها مفعول شاء لدلالة الجزاء عليه والتقدير لو شاء الله ان لا نعبد من دونه شيئا ما عبدنا الخ.
وقول بعضهم ان الإرادة والمشية لا تتعلق بالعدم وانما تتعلق بالوجود فلا معنى لمشية عدم العبادة فالأولى ان يقدر متعلق المشية أمرا وجوديا ملازما لعدم العبادة كالتوحيد مثلا ويكون التقديم لو شاء الله ان نوحده أو ان نعبده وحده ما عبدنا من دونه من شئ واستدل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن حيث علق عدم الكون على عدم المشية لا على مشية العدم وفيه ان ما ذكره حق بالنظر إلى حقيقة الامر إلا ان العنايات اللفظية والتوسعات الكلامية لا تدور دائما مدار الحقائق الكونية والانظار الفلسفية وان الافهام البسيطة ولم تكن افهام أولئك الوثنيين بأرقى منها كما تجيز ترتب الفعل الوجودي على المشية تجيز تعلق عدمه بها وفي كلامه صلى الله عليه وآله وسلم جريا على هذه العناية الظاهرية اللهم ان شئت ان لا تعبد لم تعبد.
على أنهم يشيرون بقولهم لو شاء الله ما عبدنا الخ إلى قول الرسل لهم لا تشركوا بالله ولا تعبدوا غير الله ولا تحرموا ما أحل الله وهى نواه ومدلول النهى طلب الترك.
على أن الوثنيين لا ينكرون توحيده تعالى في الألوهية بمعنى الصنع والايجاد وانما يشركون في العبادة بمعنى انهم يخصونه تعالى بالصنع والايجاد ويخصون آلهتهم بالعبادة فلهم آلهة كثيرون أحدهم اله موجد غير معبود وهو الله سبحانه والباقون شفعاء معبودون غير موجدين فهم لا يعبدون الله أصلا لا انهم يعبدونه تعالى وآلهتهم جميعا وحينئذ لو كان التقدير لو شاء الله أن نوحده في العبادة أو ان نعبده وحده
(٢٣٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 ... » »»
الفهرست