الانحرافات الكبرى - سعيد أيوب - الصفحة ٢٤٧
روحا، وهذه النفس المأخوذة هي التي يتوفاها الله ويأخذها حين موتها كما قال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) (230) وهذه النفس هي التي يخبر عنها الإنسان بقوله: (أنا) وهي التي بها تتحقق للإنسان إنسانيته. وهي التي تدرك وتريد وتفعل الأفعال الإنسانية بواسطة البدن، بما له من القوى والأعضاء المادية.
وليس للبدن إلا أنه آلة وأداة تعمل بها النفس أعمالها المادية، ولمكان الاتحاد الذي بينها وبين البدن، يسمى باسمها البدن، وإلا فأسماء الأشخاص في الحقيقة لنفوسهم لا لأبدانهم. وناهيك في ذلك التغير المستمر الذي يعرض البدن مدى الحياة، والتبدل الطبيعي، الذي يطرأ عليه حينا بعد حين. حتى ربما تبدل البدن بجميع أجزائه إلى أجزاء أخر تتركب بدنا آخر. فلو كان زيد مثلا هو البدن الذي ولدته أمه يوم ولدته، والاسم له، لكان غيره وهو ذو سبعين وثمانين قطعا والاسم لغيره حتما، فهذه وأمثالها شواهد قطعية على أن إنسانية الإنسان بنفسه دون بدنه. والأسماء للنفوس لا للأبدان، يدركها الإنسان ويعرفها إجمالا، وإن كان ربما أنكرها في مقام التفصيل، وبالجملة فالآية (اليوم ننجيك ببدنك) كالصريح أو هو صريح في أن النفوس وراء الأبدان، وأن الأسماء للنفوس دون الأبدان. إلا ما يطلق على الأبدان بعناية الاتحاد. فمعنى (ننجيك ببدنك) نخرج بدنك من اليم وننجيه. وهو نوع من تنجيتك. لما بين النفس والبدن من الاتحاد القاضي بكون العمل الواقع على أحدهما واقعا بنحو على الآخر.. وهذا بوجه نظير قوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم) (231) فإن الذي يعاد إلى الأرض هو جسد الإنسان دون الإنسان التام فليست نسبة الإعادة إلى الإنسان إلا لما بين نفسه وبدنه من الاتحاد. وقد ذكر بعضهم أن مفاد قوله: (ننجيك) أن يكون فرعون خارجا من اليم حيا، وقال البعض الآخر. إن المراد بالبدن الدرع وكان لفرعون درع من ذهب يعرف به فأخرجه الله فوق الماء بدرعه، والحق أن هذا كله تكلف لا حاجة إليه. فلم يقل: (ننجيك) وإنما قال (ننجيك ببدنك) ومعناه ننجي بدنك والباء للآلية أو السببية. والعناية هي الاتحاد الذي بين النفس والبدن. وقال البعض:

(230) سورة الزمر، الآية: 42.
(231) سورة طه، الآية: 55.
(٢٤٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 253 ... » »»
الفهرست