لسان العرب - ابن منظور - ج ٤ - الصفحة ٢٨
من جنس الواو، فاستثقلت العرب جمعا بين ضمتين وواو فطرحوا همزة الواو لأنه بقي بعد طرحها حرفان فقالوا: مر فلانا بكذا وكذا، وخذ من فلان وكل، ولم يقولوا أكل ولا أمر ولا أخذ، إلا أنهم قالوا في أمر يأمر إذا تقدم قبل ألف أمره وواو أو فاء أو كلام يتصل به الأمر من أمر يأمر فقالوا: الق فلانا وأمره، فردوه إلى أصله، وإنما فعلوا ذلك لأن ألف الأمر إذا اتصلت بكلام قبلها سقطت الألف في اللفظ، ولم يفعلوا ذلك في كل وخذ إذا اتصل الأمر بهما بكلام قبله فقالوا: الق فلانا وخذ منه كذا، ولم نسمع وأوخذ كما سمعنا وأمر. قال الله تعالى: وكلا منها رغدا، ولم يقل: وأكلا، قال: فإن قيل لم ردوا مر إلى أصلها ولم يردوا وكلا ولا أوخذ؟ قيل:
لسعة كلام العرب ربما ردوا الشئ إلى أصله، وربما بنوه على ما سبق، وربما كتبوا الحرف مهموزا، وربما تركوه على ترك الهمزة، وربما كتبوه على الإدغام، وكل ذلك جائز واسع، وقال الله عز وجل: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، قرأ أكثر القراء:
أمرنا، وروى خارجة عن نافع آمرنا، بالمد، وسائر أصحاب نافع رووه عنه مقصورا، وروي عن أبي عمرو: أمرنا، بالتشديد، وسائر أصحابه رووه بتخفيف الميم وبالقصر، وروى هدبة عن حماد بن سلمة عن ابن كثير: أمرنا، وسائر الناس رووه عنه مخففا، وروى سلمة عن الفراء من قرأ: أمرنا، خفيفة، فسرها بعضهم أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا فيها، إن المترف إذا أمر بالطاعة خالف إلى الفسق. قال الفراء: وقرأ الحسن: آمرنا، وروي عنه أمرنا، قال: وروي عنه أنه بمعنى أكثرنا، قال: ولا نرى أنها حفظت عنه لأنا لا نعرف معناها ههنا، ومعنى آمرنا، بالمد، أكثرنا، قال: وقرأ أبو العالية: أمرنا مترفيها، وهو موافق لتفسير ابن عباس وذلك أنه قال: سلطنا رؤساءها ففسقوا. وقال أبو إسحق نحوا مما قال الفراء، قال: من قرأ أمرنا، بالتخفيف، فالمعنى أمرناهم بالطاعة ففسقوا. فإن قال قائل: ألست تقول أمرت زيدا فضرب عمرا؟ والمعنى أنك أمرته أن يضرب عمرا فضربه فهذا اللفظ لا يدل على غير الضرب، ومثله قوله: أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، أمرتك فعصيتني، فقد علم أن المعصية محالفة الأمر، وذلك الفسق مخالفة أمر الله. وقرأ الحسن: أمرنا مترفيها على مثال علمنا، قال ابن سيده: وعسى أن تكون هذه لغة ثالثة، قال الجوهري:
معناه أمرناهم بالطاعة فعصوا، قال: وقد تكون من الإمارة، قال:
وقد قيل إن معنى أمرنا مترفيها كثرنا مترفيها، قال: والدليل على هذا قول النبي، صلى الله عليه وسلم، خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة، أي مكثرة. والعرب تقول: أمر بنو فلان أي كثروا.
مهاجر عن علي بن عاصم: مهرة مأمورة أي نتوج ولود، وقال لبيد:
إن يغبطوا يهبطوا، وإن أمروا، يوما، يصيروا للهلك والنكد وقال أبو عبيد في قوله: مهرة مأمورة: إنها الكثيرة النتاج والنسل، قال: وفيها لغتان: قال أمرها الله فهي مأمورة، وآمرها الله فهي مؤمرة، وقال غيره: إنما هو مهرة مأمورة للازدواج لأنهم أتبعوها مأبورة، فلما ازدوج اللفظان جاؤوا بمأمورة على وزن مأبورة كما قالت العرب: إني آتيه بالغدايا والعشايا، وإنما تجمع الغداة غدوات فجاؤوا بالغدايا على لفظ العشايا تزويجا للفظين، ولها
(٢٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 ... » »»
الفهرست