تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٤ - الصفحة ٣٨٨
من هذه الأمم - ثم أخذتهم وهو كناية عن العقاب فكيف كان إنكاري لهم في تكذيبهم وكفرهم؟ وهو كناية عن بلوغ الانكار وشدة الاخذ.
قوله تعالى: " فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد " قرية خاوية على عروشها أي ساقطة جدرانها على سقوفها فهي خربة والبئر المعطلة الخالية من الواردين والمستقين وشاد القصر أي جصصه والشيد بالكسر الجص.
وقوله: " فكأين من قرية أهلكناها " ظاهر السياق أنه بيان لقوله في الآية السابقة: " فكيف كان نكير " وقوله: " وبئر معطلة وقصر مشيد " عطف على قرية.
والمعنى: " فكم من قرية أهلكنا أهلها حال كونهم ظالمين فهي خربة ساقطة جدرانها على سقوفها، وكم من بئر معطلة باد النازلون عليها فلا وارد لها ولا مستقي منها، وكم من قصر مجصص هلك سكانها لا يرى لهم أشباح ولا يسمع منهم حسيس، وأصحاب الابار أهل البدو وأصحاب القصور أهل الحضر.
قوله تعالى: " أفلم يسيروا في الأرض فيكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها " الخ، حث وتحضيض على الاعتبار بهذه القرى الهالكة والآثار المعطلة والقصور المشيدة التي تركتها تلك الأمم البائدة بالسير في الأرض فإن السير فيها ربما بعث الانسان إلى أن يتفكر في نفسه في سبب هلاكهم ويستحضر الحجج في ذلك فيتذكر أن الذي وقع بهم إنما وقع لشركهم بالله وإعراضهم عن آياته واستكبارهم على الحق بتكذيب الرسل فيكون له قلب يعقل به ويردعه عن الشرك والكفر هذا إن وسعه أن يستقل بالتفكير.
وإن لم يسعه ذلك بعثه الاعتبار إلى أن يصغي إلى قول المشفق الناصح الذي لا يريد به إلا الخير وعظة الواعظ الذي يميز له ما ينفعه مما يضره ولا عظة ككتاب الله ولا ناصح كرسوله فيكون له أذن يسمع بها ما يهتدي به إلى سعادته.
ومن هنا يظهر وجه الترديد في الآية بين القلب والاذن من غير تعرض للبصر وذلك لان الترديد في الحقيقة بين الاستقلال في التعقل وتمييز الخير من الشر والنافع من الضار وبين الاتباع لمن يجوز اتباعه وهذان شأن القلب والاذن.
ثم لما كان المعنيان جميعا - التعقل والسمع - في الحقيقة من شأن القلب أي
(٣٨٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 383 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 ... » »»
الفهرست