بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤ - الصفحة ٥٢
النفي في المستقبل - كما صرح به الزمخشري في انموزجه - فيكون نصافي أن موسى عليه السلام لا يراه أبدا، أو تأكيده - على ما صرح به في الكشاف - فيكون ظاهرا في ذلك لان المتبادر في مثله عموم الأوقات، وإذا لم يره موسى لم يره غيره إجماعا، وإن نوقش في كونها للتأكيد أو للتأبيد فكفاك شاهدا استدلال أئمتنا عليهم السلام بها على نفي الرؤية مطلقا، لأنهم أفصح الفصحاء طرا باتفاق الفريقين، مع أنا لكثرة براهيننا لا نحتاج إلى الاكثار في دلالة هذه الآية على المطلوب 28 - التوحيد: الدقاق: عن الأسدي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن عبد الله بن زاهر، عن الحسين بن يحيى الكوفي، عن قثم بن قتادة، عن عبد الله بن يونس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له: ذعلب ذرب اللسان بليغ في الخطاب شجاع القلب فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك؟ فقال: ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد ربا لم أره. قال: يا أمير المؤمنين كيف رأيته؟ قال يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الابصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان. (1) أقول: تمامه في باب جوامع التوحيد.
29 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام - وقد سأله ذعلب اليماني - فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: أفأعبد مالا أرى؟ (2) قال: وكيف تراه؟ قال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان، (3) قريب من الأشياء غير

(1) تقدم الحديث باسناد آخر تحت رقم 2.
(2) استفهام إنكاري لعبادة مالا يدرك وفيه إزراء على السائل.
(3) قال ابن ميثم: تنزيه له عن الرؤية بحاسة البصر وشرح لكيفية الرؤية الممكنة، ولما كان تعالى منزها عن الجسمية ولواحقها من الجهة وتوجيه البصر إليه وإدراكه به وإنما يري ويدرك بحسب ما يمكن لبصيرة العقل لاجرم نزهه عن تلك وأثبت له هذه، فقال: لا تدركه العيون إلى قوله: بحقائق الايمان، وأراد بحقائق الايمان أركانه، وهي التصديق بوجود الله ووحدانيته و سائر صفاته، واعتبارات أسمائه الحسنى، وعد من جملتها اعتبارات يدركه بها:
أحدها كونه قريبا من الأشياء، ولما كان المفهوم من القرب المطلق الملامسة والالتصاق - وهما من عوارض الجسمية - نزه قربه تعالى عنها، فقال: غير ملامس فأخرجت هذه القرينة ذلك اللفظ عن حقيقته إلى مجازه وهو اتصاله بالأشياء وقربه منها بعلمه المحيط وقدرته التامة.
الثاني: كونه بعيدا منها، ولما كان البعد يستلزم المباينة - وهي أيضا من لواحق الجسمية - نزهه عنها بقوله: غير مباين فكان بعده عنها إشارة إلى مباينته بذاته الكاملة عن مشابهة شئ منها.
الثالث: وكذلك قوله: " متكلم بلا روية " وكلامه يعود إلى علمه بصور الأوامر والنواهي، و سائر أنواع الكلام عند قوم، والى المعنى النفساني عند الأشعري، والى خلقه الكلام في جسم النبي صلى الله عليه وآله عند المعتزلة. وقوله: بلا روية تنزيه له عن كلام الخلق لكونه تابعا للأفكار و التروي.
الرابع: وكذلك " مريد بلا همة " تنزيه لإرادته عن مثلية إرادتنا في سبق العزم والهمة لها الخامس: " صانع بلا جارحة " وهو تنزيه لصنعه عن صنع المخلوقين لكونه بالجارحة التي من لواحق الجسمية.
السادس: وكذلك " لطيف لا يوصف بالخفاء " واللطيف يطلق ويراد به رقيق القوام وصغير الحجم المستلزمين للخفاء وعديم اللون من الأجسام والمحكم من الصنعة، وهو منزه عن اطلاقه بأحد هذه المعاني لاستلزام الجسمية والامكان، فبقي اطلاقها عليه باعتبارين: أحدهما تصرفه في الذوات و الصفات تصرفا خفيا بفعل الأسباب المعدة لها لإفاضاته كمالاتها. والثاني جلالة ذاته وتنزيهها عن قبول الادراك البصري السابع: " رحيم لا يوصف بالرقة " تنزيه لرحمته عن رحمة أحدنا لاستلزامها رقة الطبع والانفعال النفساني.
الثامن: كونه عظيما تخضع الوجوه لعظمته، إذ هو الا له المطلق لكل موجود وممكن فهو العظيم المطلق الذي تفرد باستحقاق ذل الكل وخضوعه له ووجيب القلوب واضطرابها من هيبته عند ملاحظة كل منها ما يمكن له من تلك العظمة.
(٥٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 تعريف الكتاب تعريف الكتاب 1
2 * (أبواب تأويل الآيات والاخبار الموهمة لخلاف ما سبق) * باب 1 تأويل قوله تعالى: خلقت بيدي، وجنب الله، ووجه الله، ويوم يكشف عن ساق، وأمثالها، وفيه 20 حديثا. 1
3 باب 2 تأويل قوله تعالى: ونفخت فيه من روحي، وروح منه، وقوله صلى الله عليه وآله: خلق الله آدم على صورته، وفيه 14 حديثا. 11
4 باب 3 تأويل آية النور، وفيه سبعة أحاديث. 15
5 باب 4 معنى حجرة الله عز وجل، وفيه أربعة أحاديث. 24
6 باب 5 نفي الرؤية وتأويل الآيات فيها، وفيه 33 حديثا. 26
7 * (أبواب الصفات) * باب 1 نفي التركيب واختلاف المعاني والصفات، وأنه ليس محلا للحوادث والتغييرات، وتأويل الآيات فيها، والفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال، وفيه 16 حديثا. 62
8 باب 2 العلم وكيفيته والآيات الواردة فيه، وفيه 44 حديثا. 74
9 باب 3 البداء والنسخ، وفيه 70 حديثا. 92
10 باب 4 القدرة والإرادة، وفيه 20 حديثا. 134
11 باب 5 أنه تعالى خالق كل شيء، وليس الموجد والمعدم إلا الله تعالى وأن ما سواه مخلوق، وفيه خمسة أحاديث. 147
12 باب 6 كلامه تعالى ومعنى قوله تعالى: قل لو كان البحر مدادا، وفيه أربعة أحاديث. 150
13 * أبواب أسمائه تعالى وحقائقها وصفاتها ومعانيها * باب 1 المغايرة بين الاسم والمعنى وأن المعبود هو المعنى والاسم حادث، وفيه ثمانية أحاديث. 153
14 باب 2 معاني الأسماء واشتقاقها وما يجوز إطلاقه عليه تعالى وما لا يجوز، وفيه 12 حديثا. 172
15 باب 3 عدد أسماء الله تعالى وفضل إحصائها وشرحها، وفيه ستة أحاديث. 184
16 باب 4 جوامع التوحيد، وفيه 45 حديثا. 212
17 باب 5 إبطال التناسخ، وفيه أربعة أحاديث. 320
18 باب 6 نادر، وفيه حديث. 322