إحقاق الحق (الأصل) - الشهيد نور الله التستري - الصفحة ٤٣٩
مقصد انتهى قال المص رفع الله درجته ط ذهبت الإمامية إلى أن السارق يجب عليه القطع والعزم وقال أبو حنيفة لا يجتمعان بل يجب أحدهما فإن عزم لم يقطع وإن قطع لم يعزم ولقد خالف العقل والنقل قال الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وهو عام وقال النبي ص على اليد ما أخذت حتى تؤدي والعقل قاض بوجوب رد المظالم انتهى وقال الناصب خفضه الله أقول مذهب الشافعي أنه يجمع على السارق بين القطع وأخذ المال إن ثبت ولا مخالفة لقول أبي حنيفة للنص لأن السرقة لها شروط إذا اجتمعت وجب القطع وعنده إن من شروط السرقة إنه إن لم يؤدي المال يقطع انتهى وأقول المخالفة باقية لأن الدعوى لا بد لها من دليل وكون ذلك الشرط مما اعتبره الشارع مم وعند يأت الرجل لا يروج إلا على من انسلخ عن الفطرة الإنسانية قال المص رفع الله درجته ى ذهبت الإمامية إلى إمكان غصب العقار ويضمن وقال أبو حنيفة لا يتحقق ولا يضمن وقد خالف العقل والنقل قال الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والعقل دل على وجوب الانتصاف والتحقق يمكن بالاستيلاء ومنع المالك منه كغيره انتهى وقال الناصب خفضه الله أقول ذهب دليل هذه المسألة وإن أبا حنيفة يقول الاستيلاء الذي يتحقق به الغصب لا يمكن في حق العقار لأن العبور والنظر والوقوف فيها جايز ولا يمكن فيه حصول ما يعد استيلاء ولا مخالفة للنص لأن الاعتداء لا يتحقق إلا بالاستيلاء انتهى وأقول لا يخفى أن المنظر مشترك بين العقار وأكثر ما يتحقق فيه الغصب بالاتفاق وأما العبور والوقوف فإن جازا في بعض العقارات فإنما هو العبور الذي لا يضر والوقوف الذي لا يؤذي إلى التصرف المضر كأداء صلاة وتنزه وتفرج معتضد بإذن الفحوى وشاهد الحال مثلا وأما العبور الذي يوجب الضرر كما إذا اتخذ العابر ذلك العقار مسلكا للدخول عما له في جنبه من ملكه والوقوف الذي يمنع عن الحرث ويفسد الزرع فهما مما يعدان استيلاء وبالجملة كما يتحقق غصب المنقول اتفاقا كذا يتحقق غصب العقار لأن المعتبر فيه الاستقلال بإثبات اليد والاستيلاء وتحققهما ممكن في العقار كغيره ومن ثم أمكن قبضه في البيع وغيره مما يعتبر فيه القبض وهو لا يتحقق بدون الاستقلال بإثبات اليد عليه فليكن ههنا كذلك وتفصيل الكلام فيه أن غصب العقار متصور في نظر الشرع لأن إثبات اليد عليه ممكن لأن المزاحم للمالك في العقار إما أن يدخل عليه مستوليا ويزعجه بإخراجه عنه أو لا يزعجه وعلى كل تقدير إما أن يكون الغير قويا والمالك ضعيفا أو بالعكس أو يكونان قويين فهذه عدة صور يتحقق الغصب في أكثرها ولا يعتبر قصد الاستيلاء إذا تحقق الاستيلاء صح بحصول اليد والاستيلاء حقيقة ولو دخل الضعيف على القوي بقصد الاستيلاء فليس بغاصب إذ لا أثر لقصد شئ لا يتمكن من تحقيقه فلو دخل القوي على الضعيف مستوليا بحيث اضمحلت يده فالمتجه كونه غاصبا للجميع وقد اتضح بهذا أن قول الناصب الاستيلاء الذي به يتحقق الغصب لا يمكن في حق العقار قم وما استدل به عليه مدفوع مدخول بما ذكرنا وكذا الحال في قوله فلا مخالفة للنص وقد وافقنا ابن حزم في هذه المسألة فقال قال الحنفيون الأرض لا يغصب وهذا كذب منهم لأن الغصب هو أخذ الشئ بغير حقه ظلما وقد روينا من طريق النجاري أنه قال قال رسول الله ص من أخذ من الأرض شبرا بغير حق خسف به يوم القيمة إلى سبع أرضين فصح أن الأرض يؤخذ بغير حق فصح أنها تغصب انتهى ثم الظاهر أن أبا حنيفة إنما أنكر إمكان غصب العقار مع بعده شرعا وعرفا مراعاة لحال خليفته الذي غصب فدكا عن فاطمة ص ويشكل بأنهم لو سمعوا أحدا قال لعن الله من غصب فدكا يفزعون ويهمون على إيذائه وقتله لكن مع توجه هذا الإشكال ترى هذه الملاحظة والمراعاة أقوى وجها من الوجه الذي اخترعه الناصب فتأمل قال المص رفع الله درجته يا ذهبت الإمامية إلى أن الغاصب إذا صبغ الثوب كان له أخذ صبغه وعليه أرش نقص الثوب وقال أبو حنيفة إن صبغ الأبيض بغير السواد تخير المالك بين دفع صح الثوب إليه ومطالبته بقيمته أبيض وبين أخذ ثوبه ودفع قيمة صبغه وإليه إن كان قد صبغه بالسواد تخير المالك بين دفع الثوب ومطالبته بقيمة أبيض وأخذ الثوب مصبوغا ولا شئ عليه وقد خالف العقل والنقل فإن العقل قاض بوجوب المقاصة وإنما يتم بما قلناه لا بدفع الثوب وإلزامه بقيمته وكذا النقل لأن النبي ص قال الناس مسلطون على أموالهم فكان للغاصب أخذ صبغه وللمالك أخذ ثوبه والعقل مانع من أخذ كل واحد منهما مال صاحبه ثم أي فرق بين السواد وغيره من الألوان انتهى وقال الناصب خفضه الله أقول مذهب الشافعي إنه إن صبغ الغاصب المغضوب بصبغ نفسه فإن أمكن الفصل أجبر عليه ولزمه الأرش إن نقص وإن لم يكن فإن تزد قيمته فلا شئ للغاصب وإن نقصت عزم الأرش وإن زادت فالغاصب شريك بالزيادة بالصبغ ولا يتفرد أحدهما ببيع حقه ولو أراده المالك أجبر عليه لم الغاصب على الموافقة ولو أراده الغاصب لم يجبر المالك ولو ترك الصبغ لمالك الثوب لم يجبر على قبوله ولو رضى فلا بد من الهبة هذا مذهب الشافعي وقد راعى قوانين العدل كما لا يخفى وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة من دفع الثوب وإلزامه القيمة فهذا للتسليط الذي جعله الله للمالك على الغاصب فإن المالك يتخير بين ما هو أنفع له والمقاصة يحصل فيه وأما الفرق بين السواد وغيره فلأن السواد يقابل البياض بالمضادة تقابلا كاملا فإذا أخذ بأحد المتقابلين ورضى به فكأنه أخذ بالمقابل الآخر بخلاف باقي الألوان انتهى وأقول نعم قد راعى الشافعي في هذه المسألة قوانين العدل لكن مقتبسا لذلك من أهل العدل ثم لا يخفى أن في نسبة الناصب رعاية العدل في هذه المسألة إلى الشافعي إشعار لطيف بأن أبا حنيفة قد عدل فيها عن قوانين العدل وأهله ويعلم من هذا أن ما ذكره الناصب بعد ذلك في توجيه قوله تعسف ناش عن غاية التعصب كيف والتسليط الذي جعله الله للمالك على الغاصب لا يقتضي إلا استيفاء حقه لا غير وربما لم يمكن للغاصب إعطاء ما يفي بقيمة مجموع الثوب فتكليفه بإعطاء ذلك يكون حرجا منفيا بنص الآية وأما الفرق الذي ذكره بين السواد والبياض فلا وجه له لأن الأخذ إنما يتعلق بالأبيض والأسود لا بالبياض والسواد والمتضادان هما العرضان لا المعروضان وأيضا لا طايل تحت قوله فإذا أخذ بأحد المتقابلين فكأنه أخذ بالمقابل الأخرى وأي دليل على اتحاد حكم الأخذ بينهما وكان في قول الناصب فكأنه اعتراف بذلك ولو سلم فكيف يعقل أن يكون أخذ أحد المتقابلين الذي هو في غاية البعد عن الآخر في حكم أخذ الآخر ولا يكون أخذ أحد الأمرين
(٤٣٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 434 435 436 437 438 439 440 441 442 443 444 ... » »»