تفسير القرطبي - القرطبي - ج ٢٠ - الصفحة ١٩٩
قوله تعالى: فجعلهم كعصف مأكول (5) أي جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع إذا أكلته الدواب، فرمت به من أسفل.
شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزائه. روى معناه عن ابن زيد وغيره. وقد مضى القول في العصف في سورة " الرحمن " (1). ومما يدل على أنه ورق الزرع قول علقمة:
تسقي مذانب قد مالت عصيفتها * حدورها من أتى الماء مطموم (2) وقال رؤبة بن العجاج:
ومسهم ما مس أصحاب الفيل * ترميهم حجارة من سجيل ولعبت طير بهم أبابيل * فصيروا مثل كعصف مأكول العصف: جمع، واحدته عصفة وعصافة، وعصيفة. وأدخل الكاف في " كعصف " للتشبيه مع مثل، نحو قوله تعالى: " ليس كمثله شئ " (3) [الشورى: 11]. ومعنى " مأكول " مأكول حبه.
كما يقال: فلان حسن، أي حسن وجهه. وقال ابن عباس: " فجعلهم كعصف مأكول " أن المراد به قشر البر، يعني الغلاف الذي تكون فيه حبة القمح. ويروى أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في جوفه، فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة. وقال ابن مسعود: لما رمت الطير بالحجارة، بعث الله ريحا فضربت الحجارة فزادتها شدة، فكانت لا تقع على أحد إلا هلك، ولم يسلم منهم إلا رجل (4) من كندة، فقال:
فإنك لو رأيت ولم تريه (5) * لدى جنب المغمس ما لقينا

(1) راجع ج 17 ص 156.
(2) المذانب: مسايل الماء. والعصيفة: الورق المجتمع الذي يكون فيه السنبل. وحدورها: ما انحدر منها واطمأن. والآتي (كغنى): الجدول. والمطموم: المملوء بالماء.
(3) آية 11 سورة الشورى.
(4) هو نفيل بن حبيب كما في تاريخ الطبري وابن الأثير.
(5) في نسخ الأصل: (ولو ترانا) وهو تحريف لأنه يخاطب امرأة. والابيات كما أوردها الطبري (ص 942 قسم أول طبع أوربا) وابن الأثير (ج 1 ص 322 طبع أوربا):
ألا حييت عنا يا ردينا * نعمناكم مع الاصباح عينا أتانا قابس منكم عشاء * فلم يقدر لقابسكم لدينا ردينة لو رأيت ولم تريه * لدى جنب المحصب ما رأينا إذن لعذرتني وحمدت رأيي * ولم تأسى على ما فات بينا حمدت الله إذ عاينت طيرا * وخفت حجارة تلقى علينا لكل القوم يسأل عن نفيل * كأن علي للحبشان دينا
(١٩٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 ... » »»
الفهرست