تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٢ - الصفحة ٣٦٣
ثم إضافة اللباس إلى الجوع والخوف وفيها دلالة على الشمول والاحاطة كما يشمل اللباس البدن ويحيط به تشعر بأن هذا المقدار اليسير من الجوع والخوف الذي اذاقهم شملهم كما يشمل اللباس بدن الانسان وهو سبحانه قادر على أن يزيد على ذلك فهو المتناهى في قهره وغلبته وهم المتناهون في ذلتهم وهوانهم.
ثم ختم الآية بقوله بما كانوا يصنعون للدلالة على أن سنة المجازاة في الشكر والكفر قائمة على ساق.
والمعنى ضرب الله مثلا مثل قرية كان أهلها آمنين من كل شر وسوء يهددهم في نفوسهم واعراضهم وأموالهم ساكنين غير مضطرين يأتيهم رزقهم طيبا واسعا من كل مكان من غير أن يضطروا إلى السفر والاغتراب فكفر أهلها بهذه النعم الإلهية ولم يشكروه سبحانه فأنالهم الله شيئا يسيرا من نقمته بسلب هذه النعم وهو الجوع والخوف اللذان عماهم وشملاهم قبال ما استمروا عليه بكفران الانعام جزاء لكفرانهم.
قوله تعالى: " ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون " وهذا هو النعمة المعنوية التي أضافها إلى نعمه المادية المذكورة وكان فيها صلاح معاشهم ومعادهم وتحذير لهم من الكفران بأنعم الله وشرح ما فيه من الشؤم والشقاء لكنهم كذبوا رسولهم الذي هو منهم يعرفونه ويدرون انه انما يدعوهم لأمر الهى ويهديهم إلى سبيل الرشاد وسعادة الجد فظلموا ذلك فأخذهم العذاب بظلمهم.
وبهذا التقرير يظهر ما في القيود المأخوذة في الآية من النكات.
قوله تعالى: " فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا " إلى آخر الآية تفريع على ما تحصل من المثل نتيجة والتقدير إذا كان الحال هذا الحال وكان في كفران هذا الرزق الرغد عذاب وفي تكذيب الدعوة عذاب فكلوا مما رزقكم الله حال كونه حلالا طيبا أي لستم بممنوعين منه وأنتم تستطيبونه فكلوا منه واشكروا نعمة الله ان كنتم إياه تعبدون.
وقد ظهر بذلك اولا ان الآية مسوقة لتحليل طيبات الرزق مطلقا فلا سبيل إلى ما ذكره بعضهم إن المراد فكلوا مما رزقكم الله من الغنائم رزقا حلالا طيبا بناء على أن الآية
(٣٦٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 ... » »»
الفهرست