تفسير أبي السعود - أبي السعود - ج ٤ - الصفحة ١٩٨
به فيندرج تحته ما نحن بصدده من الإيمان بالقرآن الذي عبر عنه بالكون على بينة من الله وإنما يحصل ذلك باستماع الوحي والتدبر فيه ومشاهدة ما يؤدى إلى ذلك في الأنفس والآفاق أو فعلوا الإيمان كما في يعطى ويمنع (وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم) أي اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخضوع والتواضع من الخبت وهي الأرض المطمئنة ومعنى أخبت دخل في الخبت كأنهم وأنجد دخل في تهامة ونجد (أوليك) المنعوتون بتلك النعوت الجميلة (أصحاب الجنة هم فيها خالدون) دائمون وبعد بيان تباين حاليهما عقلا أريد بيان تباينهما حسا فقيل (مثل الفريقين) المذكورين أي حالهما العجيب لأن المثل لا يطلق إلا على ما فيه غرابة من الأحوال والصفات (كالأعمى والأصم والبصير والسميع) أي كحال هؤلاء فيكون ذواتهم كذواتهم والكلام وإن أمكن أن يحمل على تشبيه الفريق الأول بالأعمى وبالأصم وتشبيه الفريق الثاني بالبصير وبالسميع لكن الأدخل في المبالغة والأقرب إلى ما يشير إليه لفظ المثل والأنسب بما سبق من وصف الكفرة بعدم استطاعة السمع وبعدم الإبصار أن يحمل على تشبيه الفريق الأول بمن جمع بين العمى والصمم وتشبيه الفريق الثاني بمن جمع بين البصر والسمع على أن تكون الواو في قوله تعالى والأصم وفي قوله والسميع لعطف الصفة على الصفة كما في قول من قال * إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم * وأيا ما كان فالظاهر أن المراد بالحال المدلول عليها بلفظ المثل وهى التي يدور عليها أمر التشبيه ما يلائم الأحوال المذكورة المعتبرة في جانب المشبه به من تعامى الفريق الأول عن مشاهدة آيات الله المنصوبة في العالم والنظر إليها بعين الاعتبار وتصامهم عن استماع آيات القرآن الكريم وتلقيها بالقبول حسبما ذكر في قوله تعالى ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون وإنما لم يراع هذا الترتيب ههنا لكون الأعمى أظهر وأشهر في سوء الحال من الأصم ومن استعمال الفريق الثاني لكل من أبصارهم وأسماعهم فيما ذكر كما ينبغي المدلول عليه بما سبق من الإيمان والعمل الصالح والإخبات حسبما فسر به فيما مر فلا يكون التشبيه تمثيليا لا جميع الأحوال المعدودة لكل من الفريقين مما ذكر وما يؤدى إليه من العذاب المضاعف والخسران البالغ في أحدهما ومن النعيم المقيم في الآخر فإن اعتبار ذلك ينزع إلى كون التشبيه تمثيليا بأن ينتزع من حال الفريق الأول في تصامهم وتعاميهم المذكورين ووقوعهم بسبب ذلك في العذاب المضاعف والخسران الذي لا خسران فوقه هيئة فتشبه بهيئة منتزعة ممن فقد مشعرى البصر والسمع فتخبط في مسلكه فوقع في مهاوى الردى ولم يجد إلى مقصده سبيلا وينتزع من حال الفريق الثاني في استعمال مشاعرهم في آيات الله تعالى حسبما ينبغي وفوزهم بدار الخلود هيئة فتشبيه بهيئة منتزعة ممن له بصر وسمع يستعملهما في مهماته فيهتدي إلى سبيله وينال مرامه يعنى الفريقين المذكورين والاستفهام إنكاري مذكر لما سبق من إنكار المماثلة في قوله عز وجل أفمن كان على بيته الآية مثلا أي حالا وصفة وهو تمييز من فاعل يستويان أفلا تذكرون أي أتشكون في عدم الاستواء وما بينهما من التباين أو أتغفلون عنه فلا تتذكرونه بالتأمل فيما ضرب
(١٩٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 8 - سورة الأنفال 2
2 قوله تعالى: إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون. 15
3 (الجزء العاشر) قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه و للرسول ولذي القربى واليتامى الخ 22
4 9 - سورة التوبة 39
5 قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل الخ 62
6 قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها و المؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي السبيل الله وابن السبيل. 76
7 (الجزء الحادي عشر) قوله تعالى: إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف. 93
8 قوله تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة الخ. 111
9 10 - سورة يونس عليه السلام 115
10 قوله تعالى: الذين أحسنوا الحسنى وزيادة. 138
11 قوله تعالى: واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت. 164
12 11 - سورة هود عليه السلام 182
13 (الجزء الثاني عشر) قوله تعالى: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. 186
14 قوله تعالى: وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي فغفور رحيم. 209
15 قوله تعالى: وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. 231
16 12 - سورة يوسف عليه السلام 250
17 قوله تعالى: وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. 285
18 قوله تعالى: رب قد آتيتني من الملك و علمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض. 308