الدر المنثور - جلال الدين السيوطي - ج ٤ - الصفحة ٢٧٦
مدخل إدريس فليهبط إلى الأرض فليعبدني بعبادة إدريس ويعمل بعمل إدريس فان عمل مثل إدريس أدخله مدخل إدريس وان غير أو بدل استوجب مدخل الظالمين فقالت الملائكة ربنا لا نطلب ثوابا ولا تصيبنا بعقاب رضينا بمكاننا منك يا رب وفضيلتك إيانا وانتدب ثلاثة من الملائكة هاروت وماروت وملك آخر رضوا به فأوحى الله إليهم أما إذا اجتمعتم على هذا فاحذروا ان نفعكم الحذر فاني أنذركم اعلموا أن أكبر الكبائر عندي أربع فما عملتم وسواها غفرته لكم وان عملتموها لم أغفر لكم قالوا وما هي قال أن لا تعبدوا صنما ولا تسفكوا دما ولا تشربوا خمرا ولا تطأوا محرما فهبطوا إلى الأرض على ذلك فكانوا في الأرض على مثل ما كان عليه إدريس يقيمون أربعة أيام في سياحتهم وثلاثة أيام يعلمون الناس الخير ويدعونهم إلى عبادة الله تعالى وطاعته حتى ابتلاهم الله بالزهرة وكانت من أجمل النساء فلما نظروا إليها فتنوا بها لما أراد الله ولما سبق عليهم في علمه مع خذلان الله إياهم فنسوا ما تقدم إليهم فسألوها نفسها قالت لهم نعم ولكن لي زوج لا أقدر على ما تريدون منى الا أن تقتلوه وأكون لكم فقال بعضهم لبعض انا قد أمرنا أن لا نسفك دما ولا نطأ محرما ولكن نفعل هذا مع هذا ثم نتوب من هذا كله فلما أحس الثالث بالفتنة عصمه الله من ذلك كله بالسماء فدخلها فنجا وأقام هاروت وماروت لما كتب عليهما فشدا على زوجها فقتلاه فلما أراداها قالت لي صنم أعبده وأنا أكره معصيته وخلافه فان أردتما فاسجدا له سجدة واحدة فدعتهما الفتنة إلى ذلك فقال أحدهما لصاحبه انا قد أمرنا أن لا نسفك دما ولا نطأ محرما ولكنا نفعله ثم نتوب من جميعه فسجدوا لذلك الصنم فلما أراداها قالت لهما بقيت لي حاجة أخرى قالا وما هي قالت لي شراب لا يطيب لي شئ من العيش الا به قالا وما هو قالت الخمر فدعتهما الفتنة إلى ذلك فقال أحدهما لصاحبه انا قد أمرنا أن لا نشرب خمرا فقال الآخر انا قد أمرنا أن لا نسفك دما ولا نطأ محرما ولكنا نفعله ثم نتوب من جميعه فشربا الخمر فلما أراداها قالت قد بقيت لي حاجة أخرى قالا وما هي قالت تعلماني الكلام الذي تعرجان به إلى السماء فعلماها إياه فلما تكلمت به عرجت إلى السماء فلما انتهت إلى السماء مسخت نجما فلما ابتليا بما ابتليا به عرجا إلى السماء فغلقت أبواب السماء دونهما وقيل لهما ان السماء لا يدخلها خطأ فلما منعا من دخول السماء وعلما أنهما قد افتتنا وابتليا عجا إلى الله بالدعاء والتضرع والابتهال فأوحى الله إليهما حل عليكما سخطي ووجبت فيما تعرضتما واستوجبتما وقد كنتما مع ملائكتي في طاعتي وعبادتي حتى عصيتما فصرتما بذلك إلى ما صرتما إليه من معصيتي وخلاف أمري فاختارا ان شئتما عذاب الدنيا وان شئتما عذاب الآخرة فعلما أن عذاب الدنيا وان طال فمصيره إلى زوال وأن عذاب الآخرة ليس له زوال ولا انقطاع فاختارا عذاب الدنيا فهما ببابل معلقين منكوسين مقرنين إلى يوم القيامة * وأخرج ابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن بعض أصحابه قال كان ملك الموت صديقا لإدريس عليه السلام فقال له إدريس يوما يا ملك الموت قال لبيك قال أمتني فأرني كيف الموت قال له ملك الموت سبحان الله يا إدريس انما يفر أهل السماوات والأرض من الموت وتسألني ان أريك كيف الموت قال انى أحب ان أراه فلما ألح عليه قال له يا إدريس أنا عبد مملوك مثلك وليس إلى من الامر شئ قال فصعد ملك الموت فقال رب ان عبدك سألني ان أريه الموت كيف هو قال الله له فأمته فقال له ملك الموت يا إدريس انما يفر الخلق من الموت قال فأرني فلما مات بقى ملك الموت لا يستطيع ان يرد نفسه إليه فقال يا رب قد ترى ما إدريس فيه فرد الله إليه روحه فمكث ما شاء الله حيا ثم قال يا ملك الموت أدخلني الجنة فانظر إليها قال له يا إدريس انما أنا عبد مملوك مثلك ليس إلى من الامر شئ فألح عليه فقال ملك الموت يا رب ان عبدك إدريس قد ألح على فسألني ان أدخله الجنة فيراها وقد قلت له انما أنا عبد مملوك مثلك وليس إلى من الامر شئ قال الله فادخله الجنة قال إن الله علم من إدريس مالا أعلم انا فاحتمله ملك الموت فادخله الجنة فكان فيها ما شاء الله فقال له ملك الموت أخرج بنا قال لا قال الله وما نحن بميتين الا موتتنا الأولى وقال الله وما هم منها بمخرجين وما أنا بخارج منها قال ملك الموت يا رب قد تسمع ما يقول عبدك إدريس قال الله له صدق عبدي هو أعلم منك فاخرج منها ودعه فيها فقال الله ورفعناه مكانا عليا * وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى في قوله واذكر في الكتاب إدريس انه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا قال كان إدريس أول نبي بعثه الله في الأرض وانه كان يعمل فيرفع عمله مثل نصف أعمال الناس ثم إن ملكا من الملائكة أحبه فسأل الله
(٢٧٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 ... » »»
الفهرست